الولوجَ والخروجَ في البيوتِ والمساكنِ ولو كانتْ غيرَ مسكونةٍ ينبغي أن يكونَ لسببٍ وحاجةٍ، لا عن فضولٍ.
قال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [النور: 30] .
أمَرَ اللهُ المؤمِنينَ بغضِّ البصرِ، قبلَ أمرِهم بحِفْظِ الفروجِ؛ لبيانِ أنَّ إطلاقَ البصرِ جالِبٌ للفاحشةِ وبابٌ لها، وحبلٌ مِن حبالِ الشيطانِ الموصِّلةِ إليها، فقدَّمَ الوسيلةَ على الغايةِ، وجعَلَ اللهُ ذلك {أَزْكَى لَهُمْ} ؛ يعني: أنَّه أطهَرُ للنفوسِ وأطيَبُ لها.
الحِكْمةُ مِن تقديمِ أمرِ الرِّجالِ على أمرِ النِّساءِ بغضِّ البصرِ:
وإنَّما قدَّمَ اللهُ أمرَ الرِّجالِ بغضِّ البصرِ قبلَ أمرِ النِّساءِ بذلك؛ لأمورٍ:
منها: أنَّ الرِّجالَ أكثَرُ عُرْضةً لرؤيةِ العَوْراتِ؛ لكثرةِ خروجِهم وكَسْبِهم وتعرُّضِهم للتعامُلِ مع الناسِ، فالأصلُ في الرجالِ: الخروجُ والكسبُ، والأصلُ في النساءِ: القَرَارُ والكفايةُ؛ ولهذا نَهَى النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم الرجالَ عن الجلوسِ في الطُّرُقاتِ؛ حتى لا يتعرَّضوا لرؤيةِ العَوْراتِ، فلمَّا أَبْدَوْا حاجتَهم بها، أمَرَهم بغضِّ البصرِ؛ كما في «الصحيحَيْنِ» ؛ قال: (إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ) ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم: (فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلاَّ المَجْلِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ) ، قَالُوا: وَمَا حَقُّهُ؟ قَالَ: (غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الأْذَى، وَرَدُّ السَّلاَمِ، وَالأْمْرُ بِالمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ) (1) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه البخاري (2465) ، ومسلم (2121) ..