وهي مكيَّةٌ؛ والأحكامُ فيها قليلةٌ، فهي تذكُرُ آياتِ اللهِ ومخلوقاتِهِ وتسخيرَهُ إيَّاها للإنسانِ، وتذكُرُ نِعَمَهُ ورِزْقَهُ له، وما في ذلك مِن الدلالاتِ على ألوهيَّتِهِ وحَقِّهِ في العبادةِ، ومنها بِضْعُ آياتٍ نزَلتْ بينَ مكَّةَ والمدينةِ.
قال تعالى: {وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ}
[النحل: 5 [.
إظهارُ النِّعْمةِ في هذه الآيةِ بالانتفاعِ مِن صُوفِ الأنعامِ ووَبَرِها وجلودِها: دليلٌ على طهارةِ جلودِها.
والآيةُ ذكَرَتِ الانتفاعَ بالجلودِ والشَّعَرِ والصوفِ بقولِه: {لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ} ، ولم يُذكَرِ الذَّبْحُ، وذلك لا دَلالةَ فيه صريحةً على مسألةِ جِلدِ المَيْتَةِ؛ وذلك لأنَّ اللهَ تعالى ذكَرَ الأكلَ بعدَ ذلك فقال: {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ *} ، ولا يعني ذلك جوازَ أكلِ المَيْتَةِ، ثمَّ إنَّ الآيةَ جرَتْ على الأصلِ؛ أنَّ الناسَ تَذبَحُ بهائمَ الأنعامِ ولا تُمِيتُها بخَنقٍ وغيرِ ذلك.
وفي الآيةِ قُدِّمَ الدِّفءُ على الأكلِ؛ لأنَّه أظهَرُ في النفعِ وأكثَرُ؛ فإنَّ الناسَ تَلبَسُ وتَستدفئُ مِن الشُّعُورِ والصُّوفِ والجِلدِ أكثَرَ مِن أكلِها لِلَّحْمِ، فالاستِدفاءُ واللُّبسُ دائمٌ، والأكلُ عارضٌ، ثمَّ إنَّ اللُّبسَ أدوَمُ وأَبْقى