بالتناقُضِ ومساواةِ ما لا يَتشابَهُ في الصورةِ في العقوبةِ، ولاستَوَتْ إشاعةُ الفاحشةِ في مَجلِسٍ فيه واحدٌ مع إشاعتِها في وسائلَ إعلاميَّةٍ يُشاهِدُها ألوفٌ مؤلَّفةٌ؛ ولهذا كانتْ عقوبةُ إشاعةِ الفاحشةِ التعزيرَ؛ تَبدأُ بأدنى العقوباتِ، وتَنتهي بأشَدِّها؛ وهو القتلُ والصَّلْبُ.
وتعظيمُ إشاعةِ الفاحشةِ الذي تُقدَّرُ به عقوبةُ المُشِيعِ لها تعزيرًا ـ مرتهِنٌ بأمورٍ ثلاثةٍ:
الأولُ: نوعُ الفاحشةِ المُشاعةِ؛ فالفواحشُ تختلِفُ في نوعِها؛ منها الصريحُ، ومنها الكنايةُ، ويختلِفُ الصريحُ منها في نوعِه؛ منه ما يُخالِفُ الفِطْرةَ كاللِّواطِ والسُّحَاقِ ونكاحِ المَحارمِ ونحوِه، ومنه ما يُوافِقُ الفِطْرةَ مِن وجهٍ ويُخالِفُها مِن وجهٍ؛ كمَيْلِ الجنسينِ بعضِهما إلى بعضٍ؛ فهذا يُوافِقُ الفِطْرةَ مِن هذا الوجهِ، ويُخالِفُها إذا كان الميلُ بغيرِ ما أحَلَّ اللهُ كالزِّنى.
وقد يكونُ فعلُ الرَّجُلِ ما أحَلَّ اللهُ له علانيَةً مِن إشاعةِ الفاحشةِ؛ لأنَّ اللهَ ما جعَلَ كلَّ حلالٍ يجوزُ المُجاهَرةُ به، فإذا فعَلَ الرجلُ مع زوجتِهِ في الأسواقِ والطُّرُقاتِ ما يُستحْيَا منه ولا يُفعَلُ إلاَّ في البيوتِ، عُوقِبَ على ذلك ولو كانتْ زوجتَهُ؛ لأنَّ هذا يدفعُ الناسَ إلى تقليدِهِ ومحاكاتِه، ويدفعُ مَن يَتَّخِذُ أَخْدَانًا أن يفعلَ مِثلَ فعلِه؛ فإنَّ المحرَّماتِ تبدأُ مِن المكروهاتِ، ولا تفسُدُ أخلاقُ الأُممِ إلاَّ بعدَ سقوطِ سُورِ المروءاتِ؛ فليس كلُّ المروءاتِ واجبةً؛ ولكنَّها سُورٌ يَحمي النفوسَ مِن الجُرأةِ على الحرامِ.
الثاني: مِقْدارُ إشاعتِها؛ فبمقدارِ سَعَةِ إشاعةِ الفاحشةِ تعظُمُ؛ فمَن يُشِيعُها في مجلِسٍ غيرُ مَن يُشِيعُها في قريةٍ وبلدٍ، ومَن يُشيعُها في بلدٍ غيرُ مَن يُشيعُها في كلِّ بلدٍ، وبمقدارِ سَعَتِها تُغلَّظُ العقوبةُ عليه، واليومَ يَقدِرُ