قال تعالى: {قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} [مريم: 23]
في هذه الآيةِ: أنَّ مريمَ تمنَّتْ أن تكونَ قد ماتتْ قبلَ نزولِ ما نزَلَ بها، ولم تَتَمَنَّ الموتَ بعدَ نزولِ ما حَلَّ بها، بل سلَّمَتْ لأمرِ اللهِ وخضَعَتْ له، وقد تقدَّم الكلامُ على تمنِّي الموتِ وأحوالِهِ عندَ قولِهِ تعالى: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف: 101] .
قال تعالى: {يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} [مريم: 28] .
ذكَّرَ قومُ مريمَ مريمَ بسيرةِ أهلِها وفضلِهم وعَفَافِهم وطُهْرِهم، وأنَّ سِيرَتَها لا ينبغي أن تخرُجَ عنها، وقد استَنْكَروا أن يكونَ بيتُ العفافِ يخرُجُ منه أمرٌ استنكَروه؛ فبيَّنَ اللهُ لهم بإنطاقِ عيسى معجِزةً له ولها.
وفي هذه الآيةِ: جوازُ استعمالِ وازِعِ الطَّبْعِ لاستنكارِ المُنكَرِ ولو كان وازعُ الطبعِ وحدَهُ، عندَ رؤيةِ مَن يَرَى عليه عملَ سَوْءٍ أو قولَ مُنكَرٍ، فيُنكِرُ عليه ذلك تذكيرًا له بأهلِهِ وخُلُقِهِ وقومِه وقبيلتِه.
والنهيُ عن المُنكَرِ يُخفَّفُ فيه، بخلافِ الأمرِ بالعبادةِ؛ فلا يجوزُ الأمرُ بالتعبُّدِ للهِ بوازعِ الطبعِ مجرَّدًا، ما لم يكنْ تابِعًا لوازِعِ الشَّرْعِ؛ حتى لا يمتثِلَ الناسُ العباداتِ تقليدًا ورِياءً وسُمْعةً، فيقَعُوا في الشِّرْكِ؛ حيثُ لم يُخلِصوا في عَمَلِهم للهِ.
وقد تقدَّم الكلامُ على وازعِ الطَّبْعِ والشَّرْعِ والفرقِ بينَهما عندَ قولِهِ تعالى: {قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [يوسف: 23] .