فهرس الكتاب
المشرِكِينَ وحفَزَتْهُم، فنهَى عن تسييرِها للمؤمنينَ؛ فقال: {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ * وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ} [الأنفال: 47 ـ 48] ، وفي هذا: إشارةٌ إلى أنَّ أكثَرَ خلافِ الظواهرِ بسببِ بواطنَ خفيَّةٍ؛ مِن حُبِّ الرِّياءِ، والرِّياسةِ، والجاهِ، وطمعِ الدُّنيا.
قال تعالى: {الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ *فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ *وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْخَائِنِينَ}
[الأنفال: 56 ـ 58] .
في هذه الآيةِ: دليلٌ على جوازِ مُعاهَدةِ ناكِثِ العهدِ السابقِ وناقِضِه إنْ كان في مُعاهَدَتِهِ مرَّةً أُخرى صلاحٌ للمُسلِمينَ، ولو بكَسْبِ أمانٍ ليومٍ أو لشهرٍ أو عامٍ، بصَدِّ عَادِيَتِهِ ومَكْرِه، كما عاهَدَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم اليهودَ مع عِلْمِهِ بنقضِهِمْ للعهودِ؛ فقد كانوا عاهَدُوهُ أوَّلَ مرَّةٍ، ثمَّ أعانُوا قُريشًا بسلاحٍ، ثمَّ اعتذَرُوا، ثمَّ عاهَدَهم فخانُوهُ في الخَنْدَقِ.
والأصلُ الحَذَرُ مِن إمضاءِ العهدِ لناقِضِ العهدِ؛ حتى لا يكونَ في ذلك استغفالٌ بالمُسلِمينَ وشماتةٌ مِن أعداءِ الدِّينِ بهم، وقد عاهَدَ أبو عَزَّةَ الجُمَحِيُّ رسولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم يومَ بَدْرٍ وترَكَهُ لِبَنَاتِهِ بلا فِدْيةٍ، وأخَذَ عليه ألاَّ يُقاتِلَه، فأَخْفَرَهُ وقاتَلَهُ يومَ أُحُدٍ، فدَعَا رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم ألاَّ يُفلِتَ، فما أُسِرَ مِن المشركينَ رجلٌ غيرُهُ، فقال: يا محمَّدُ، امْنُنْ عَلَيَّ وَدَعْنِي لِبَنَاتِي وَأُعْطِيكَ عَهْدًا أَلاَّ أَعُودَ لِقِتَالِكَ، فقال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: (لاَ تَمْسَحُ عَلَى