فهرس الكتاب

الصفحة 1155 من 2794

وفيه: تغليبُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لمصلحةِ تركِهم؛ لأنَّهم لم يُظهِرُوا العداوةَ ويُعلِنُوها؛ وإنَّما كان عملُهم خُفْيَةً، وعداوةُ العلانيةِ أظهَرُ في الانتصارِ والصَّدِّ من عداوةِ الخفاءِ؛ فإنَّ عداوةَ الخفاءِ تكونُ مِن أفرادٍ، لا مِن الجميعِ، ولو أُخِذَ الجميعُ بعداوةِ البعضِ في الخفاءِ، لَقَدَرَ أهلُ عداوةِ الخفاءِ على إنكارِها وجحدِها واتِّهامِ المُسلِمينَ بالتربُّصِ بهم وظُلْمِهم، وقد يَنطلي ذلك على قومِهم وكثيرٍ مِن المُسلِمينَ، فيَنْشَقُّ صفُّهم ويَجِدُ المُنافِقونَ مَدْخَلًا لقولِهم وآذانًا تَسمعُ لهم؛ ولذا تحمَّلَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أكثَرَ عداوةِ الخفاءِ مِن اليهودِ والمنافِقينَ؛ لِمَا تَؤُولُ إليه ممَّا سبَقَ وغيرِه.

وفي هذه الآيةِ: إشارةٌ إلى شهادةِ الخصومِ، ولكنَّها هنا في سياقِ الإقرارِ لهم بحقِّهم، وألاَّ تكونَ العداوةُ مانِعةً مِن إنصافِهم، وإعطائِهم حقَّهم.

ولا خلافَ عندَ العلماءِ أنَّ مَن شَهِدَ لخَصْمِهِ بحقِّه، وأقَرَّ له به: أنَّه إقرارٌ صحيحٌ؛ لأنَّه معاكِسٌ لِلظِّنَّةِ والتُّهَمَةِ فيه، ومِثلُهُ: مَن شَهِدَ لخَصْمِهِ بحقٍّ له عندَ أحدٍ مِن الناسِ وليس بينَ الشاهدِ وبينَ الآخَرِ خصومةٌ؛ لانتِفاءِ التُّهَمةِ كذلك؛ وإنَّما ثمَّةَ خلافٌ يسيرٌ في حدودِ ما يُشهَدُ عليه.

وتَنتفي التهمةُ غالبًا عندَ شهادةِ الولدِ على والدِه والعكسُ، والأولادِ والإخوةِ فيما بينَهم، فضلًا عمَّا كان أبعَدَ مِن ذلك مِن القراباتِ، وتقدَّمَ تفصيلُ شيءٍ مِن ذلك في سورةِ النِّساءِ عندَ قولِهِ تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} [135] ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت