الثالثُ: أنَّه يحرُمُ لو أكَلَ الكلبُ المعلَّمُ مِن الصيدِ ولو أرسَلَهُ صاحِبُهُ على قولِ جمهورِ العلماءِ؛ فكيف بما لم يُرسِلْهُ وقد أُكِلَ كثيرٌ منه أو أكْثَرُه؟!
واللهُ استثنى مِن ذلك كلِّه: {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} ؛ يعني: ما تداركْتُمُوهُ ممَّا أوشَكَ على الموتِ مِن وقيذٍ ومخنوقٍ ومنطوحٍ ومترَدٍّ وما أكَلَ السَّبُعُ، فذلك على حالتيْنِ:
الحالةُ الأُولى: إنْ أدرَكَهُ قبلَ موتِهِ، فذبَحَهُ وأراقَ دمَهُ وفيه حياةٌ وقوةٌ دافعةٌ لخروجِ الدمِ ودفعِه منه؛ فهو حلالٌ، وعلامةُ ذلك الرَّفْسُ واضطرابُ الأطرافِ عندَ الذبحِ، وتدفُّقُ الدمِ واندفاعُه.
الحالةُ الثانيةُ: إنْ وجَدَهُ قد بَرَدَ، وليس فيه حياةٌ ولا قوةٌ دافعةٌ لإخراجِ الدمِ عندَ ذبحِه؛ فهو مَيْتَةٌ؛ لأنَّه مات حقيقةً قبلَ إمرارِ المُوسَى عليه، وإنْ بَقِيَ فيه حركةٌ يسيرةٌ؛ فإنَّ البهيمةَ قد يَبقى في جِلْدِها وقَدَمِها حركةٌ ولو كانتْ مقطوعةَ الرأسِ، وربَّما في بعضِ الدوابِّ بعدَ سَلْخِها؛ كما في الضَّبِّ وشِبْهِه.
وعلى هذا التقسيمِ يَجري قولُ الأئمَّةِ الأربعةِ وجمهورِ السلفِ، واللهُ أعلَمُ.
العاشرُ: ما ذُبِحَ على النُّصُبِ: والنُّصُبُ: ما كان مِن حجارةٍ عندَ الكعبةِ يَذبَحُ عليها كفَّارُ قريشٍ، والنُّصُبُ غيرُ الأصنامِ؛ فإنَّ الأصنامَ تُنقَشُ وتُرسَمُ، والنُّصُبُ حجارةٌ غيرُ مرسومةٍ، وقيل: عددُ النُّصُبِ ثلاثُ مِئةٍ وستونَ؛ قالهُ ابنُ جُرَيْج (1) ٍ).
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير الطبري» (8/ 70)