فهرس الكتاب

الصفحة 2353 من 2794

ولا يَحِلُّ الكذبُ لجلبِ كلِّ مصلحةٍ؛ فمنها المصالحُ الضعيفةُ الحقيرةُ التي لا تُساوِي عظَمَةَ الكذبِ، ولا يجوزُ الكذبُ في دفعِ كلِّ سوءٍ؛ لأنَّ مِن السوءِ ما هو ضعيفٌ لا يُساوي عظَمَةَ الكذبِ وقُبْحَهُ على صاحبِه، والموازنةُ في ذلك لا تكونُ في كلِّ الأحوالِ سواءً؛ وإنَّما ينظُرُ فيها العالِمُ العارِفُ بتجرُّدٍ وصِدْقٍ، مُبْعِدًا هواهُ، صادقًا مع اللهِ في قَصْدِه.

قال تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} [الأنبياء: 78] .

تخاصَمَ رجلانِ إلى داودَ وابنِهِ سُلَيْمانَ؛ أحدُهما صاحبُ غَنَمٍ، والآخَرُ صاحبُ حَرْثٍ، فدخَلَتِ الغنمُ على الحرثِ، فأكَلَتْهُ وأفسَدَتْه، فقضى داودُ أنَّ الغنمَ لصاحبِ الحرثِ بدلًا عمَّا أتلَفَتْ، وقضى سليمانُ أنَّ صاحبَ الغنمِ يأخُذُ الحرثَ ويُصلِحُهُ ويَسقِيهِ حتى يصيرَ كما كان عندَ أكلِه، والغنمُ تكونُ عندَ صاحبِ الحرثِ ينتفِعُ منها حتى ينتهِيَ صاحبُها مِن إصلاحِ الزرعِ ويُثمِرَ، ثمَّ يأخُذُ غَنَمَه.

وكان ذلك ليلًا؛ حيثُ قال تعالى: {إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ} ، والنَّفْشُ يكونُ في الليلِ، وبهذا قضى النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم في ناقةٍ للبَراءِ دخَلَتْ حائطَ قومٍ فأفسَدَتْهُ، فجعَلَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم على أهلِ المَواشي حِفْظَها بالليلِ، وعلى أهلِ الأموالِ حِفْظَها بالنهارِ؛ رواهُ أحمدُ وأبو داودَ (1) .

ذهَبَ مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ: إلى التفريقِ بينَ ما تُفسِدُهُ بالليلِ

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه أحمد (5/ 436) ، وأبو داود (3569) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت