وهذا لا يحدُثُ مصادَفةً، والفعلُ المتكرِّرُ أقوى من الحثِّ بالقولِ بلا فعلٍ، والفعلُ مع القولِ أقوى مِن أَحَدِهما بدونِ الآخَرِ.
وكانَ السلفُ يَعتمِرُونَ في أشهُرِ الحَجِّ أكثَرَ مِن غيرِها.
والباءُ في قولِ اللَّهِ تعالى: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ} للتعويضِ؛ كقولِهم: صاعًا بصاعٍ؛ أيْ: إنَّ الحُكْمَ واحدٌ للطَّرَفَيْنِ يَتَقابَلانِ بِه؛ روى ابنُ أبي حاتمٍ، عن أَيُّوبَ، عن عِكْرِمةَ؛ قال: قال ابنُ عَبَّاسٍ: «رَضِيَ اللهُ بالقِصَاصِ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَأْخُذُ مِنْكُمُ العُدْوانَ؛ قَالَ اللَّهُ: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} ، فَحَجَّةٌ بِحَجَّةٍ، وَعُمْرَةٌ بِعُمْرَةٍ» (1) .
ولذا قال تعالى: {وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} ؛ أيْ: مماثلةٌ ومقابَلةٌ في المجازاةِ والانتِصافِ، وكما تكونُ المحرَّماتُ على أحدٍ، فيَنتهِكُها، فيسقُطُ التحريمُ عمَّن يُقابِلُه، فله أنْ يجازيَهُ بمِثْلِ عُدْوانِهِ عليهِ؛ كالسِّنِّ، بالسِّنِّ، والعَيْنِ بالعَيْنِ، والأُذُنِ بالأُذُنِ، فأصلُ العدوانِ حرامٌ، لكنْ لو وقَعَ للمعتدَى عليه، أخَذَ القِصَاصَ، وكذلك فيمَنِ اختَرَقَ حُكْمَ الأشهُرِ الحُرُمِ بالقتالِ، فله مقابَلَتُهُ بالمِثْلِ، وهذا شبيهٌ بما سبَقَ في قولِهِ تعالى: {وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ} [البقرة: 191] .
وفي الآياتِ: دليلٌ على أنَّ حُرْمةَ النفسِ أعظَمُ مِن حُرْمةِ الأزمنةِ والأمكنةِ، فأَبَاحَ اللهُ في الحَرَمِ وفي الشَّهْرِ الحرامِ القتالَ لِصَدِّ العُدْوانِ على النفسِ؛ لأنَّ الأَزْمِنةَ لا تعظَّمُ إلاَّ بأفعالٍ، والأفعالُ لا تقومُ إلاَّ بفاعِلِينَ؛ فصيانةُ الفاعِلِينَ ـ وهم النفوسُ المعصومةُ ـ أَوْلى.
وقالَ: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} ؛ أيْ: بالمماثَلةِ كما فعَلُوا في شهرٍ حرامٍ، فقابِلُوهُ بمقاتَلَتِهِ في شهرٍ حرامٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) «تفسير ابن أبي حاتم» (1/ 329) .