فهرس الكتاب

الصفحة 1534 من 2794

أشَدَّ، جعَلَ أكثَرَ زكاتِهِ فيه، وإن كان ثغرُ الجهادِ أحوَجَ، جعَلَ أكثَرَ زكاتِهِ فيه، وقسَمَ الباقيَ بحسَبِ الحاجةِ.

وأمَّا صحَّةُ الزكاةِ، فتصحُّ بصَرْفِها في موضعٍ واحدٍ منها، ولكنْ كما أنَّ الصدقةَ تتَفاضَلُ في نَفْسِها بحسَبِ الحاجةِ في مَصارفِها، فإنَّ الزكاةَ كذلك.

ولا يَحِلُّ للغنيِّ ولا للإمامِ أنْ يُعْطِيَ الزكاةَ بحسَبِ هوى نفسِهِ المجرَّدِ، بل يجبُ فيها التماسُ قِسْمةِ اللهِ لها، ولو وافَقَتْ هوى النفسِ ومَيْلَها، جاز ذلك، وإنِ استوَتِ الحاجةُ بينَ اثنَيْنِ وأَحَدُهما تَمِيلُ النفسُ إليه مَيْلًا مجرَّدًا، ولو كانتِ البراءةُ تتحقَّقُ بأَحَدِهما، فإنَّ الأَولى إعطاءُ مَنْ لا تَمِيلُ النفسُ بِهَوَاهَا إليه؛ حتَّى لا يُجحِفَ الإنسانُ بحقِّ أحدٍ، وتأخُذَ به نفسُهُ إلى الظُّلْمِ وهي لا تشعُرُ.

وصاحبُ الحقِّ يَستحِقُّهُ ولو كَرِهَتْهُ النَّفْسُ؛ فقد أَعطى النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أقوامًا يَكرَهُهُمْ حالَ عَطائِهم ويُحِبُّ غيرَهم؛ كالأَقْرَعِ بنِ حابسٍ، وعُيَيْنَةَ بنِ حِصْنٍ، وغيرِهما، وفي «الصحيحَيْنِ» ؛ مِن حديثِ سعدٍ؛ أنَّ رسولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم أَعطى رهطًا وسعدٌ فيهم؛ قال سعدٌ: فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم رَجُلًا هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلاَنٍ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ: (أَوْ مُسْلِمًا) ، فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدتُّ لِمَقَالَتِي، فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلاَنٍ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ: (أَوْ مُسْلِمًا) ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدتُّ لِمَقَالَتِي، وَعَادَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم، ثُمَّ قَالَ: (يَا سَعْدُ، إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ؛ خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللهُ فِي النَّارِ) (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه البخاري (27) ، ومسلم (150) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت