مِن صفةِ مِشْيَتِه؛ فإنَّ الإنسانَ يُطبَعُ على ذلك ويُجبَلُ ولا يَتكلَّفُهُ ولا يكتسِبُهُ؛ فهذا لا يُمدَحُ الإنسانُ بفعلِهِ وتكلُّفِهِ لو قدَرَ عليه.
ومِن ذلك: مِشْيةُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم؛ ففي مسلمٍ؛ مِن حديثِ أنسٍ؛ قال: «كان رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم أَزْهَرَ اللون، كأن عرقه اللؤلؤ، اذا مشى، تكفأ» (1) .
وفي الحديث الاخر: (ان رسول الله صل الله عليه وسلم اذا مشى، تكفأ تكفؤا كأنما يحط من صبب) ، رواه احمد والترمذي، من حديث عليّ (2) .
ومن نظر في فقه الصحابة رضي الله عليهم، وجد انهم يكثرون من ذكر افعال النبي صل الله عليه وسلم التعبدية، ويذكرونها في سياق الاقتداء، واما بقية افعاله كأفعال العادة والافعال الجبلية، فلا يذكرونها الا اعتراضا وفي سياق الوصف.
قال تعالى: {وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا *} [الأحزاب: 26] .
لمَّا اجتمَعَتِ الأحزابُ ضدَّ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لقتالِه، قام اليهودُ مِن بني قُرَيْظَةَ بمظاهَرةِ أولئك وإعانتِهم على رسولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم، فنقَضُوا عَهْدَهم الذي كان مع النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم.
وقد ذكَرَ اللَّهُ إنزالَ بني قُرَيْظَةَ {وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا *} ، وهي حصونُهُمْ، لإعانةِ المشركينَ؛ مِنَّةً منه؛ ليَكشِفَ شدةَ ما تُكِنُّهُ صدورُهم مِن حقدٍ وبغضاءَ وتربُّصٍ وتحيُّنٍ للفُرَصِ لقتلِ المؤمنِين؛ وفي هذا أنَّ الله يُنزِلُ الشدائدَ في الأمَّةِ، وفي رَحِمِها مِنَنٌ وخيرٌ لهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه مسلم (2330) .
(2) أخرجه أحمد (1/ 96) ، والترمذي (3637) .