فهرس الكتاب

الصفحة 2481 من 2794

وقَعوا فيه الشِّرْكُ والقتلُ والزِّنى، وقد حرَّم اللهُ الزِّنى بمكَّةَ؛ لأنَّه أصلٌ فِطْريٌّ، ثمَّ تأخَّرَ تشريعُ تحريمِ وسائلِه وضبطُها في المدينةِ؛ لأنَّ مَن لا يُقِرُّ بالغايةِ لا يشدَّدُ عليه في الوسيلةِ حتى يُؤمِنَ بحُرْمةِ الغايةِ.

قال تعالى: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلاَ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا} [الفرقان: 7]

في هذه الآيةِ: ما كان عليه النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم وسائرُ الأنبياءِ مِن مخالَطةِ الناسِ وفِعْلِ ما يَفعلونَ، وعدمِ الترفُّعِ عمَّا هم عليه مِن مَلْبَسٍ ومأكلٍ ومَشْرَبٍ ومكْسَب، وأنَّه لا يجوزُ لِمَنْ سلَك طريقَ الأنبياءِ أنْ يَتَّخِذَ مِن الدِّينِ سُلَّمًا إلى دنياه، فيَتخِذَ جاهًا ومالًا وسلطانًا لنفسِه، ولمَّا كان كفارُ قريشٍ أصحابَ دُنيا وحُبٍّ للسُّؤْدَدِ والعُلُوِّ والجاهِ، لم يسلِّموا للنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم؛ لكونِه يَدْعوهم إلى اتِّباعِه وهو مِثلُ الناسِ في مأكلِه ومَشْرَبِه ومَمْشَاه، وإنَّما لم يجعَلْه اللهُ عاليًا في مالِه وسلطانِه عليهم؛ لأنَّهم سيُؤمِنونَ طمعًا لا صِدْقًا، وخوفًا ورهبةً لا رغبةً ويقينًا، ثمَّ إنَّ ذلك سيُتَّخَذُ سُنَّةً مِن بعدِه لأتباعِه؛ أنْ يَطلُبوا الدُّنيا والعلوَّ والسُّلْطانَ بالدِّينِ، فيُصبِحُ الدِّينُ سُلَّمًا لمُبتغِي الدُّنيا لا لمُبتغي الآخِرةِ، ويَدخُلُه كلُّ صاحبِ طمعٍ، ويحرَّفُ الدِّينُ لتُحَقَّقَ الغاياتُ، وكلُّ سلطانٍ وصاحبِ جاهٍ يَتَّخِذُ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم له أُسوةً في قصدِ المالِ والشرَفِ.

والأصلُ: أنَّ النَّفْسَ إنِ امتلأتْ مِن الدُّنيا، لم يبقَ للدِّينِ شيءٌ، وقد جعَل اللهُ فيها مِن كلِّ واحدٍ نصيبًا، ونصيبُ الدِّينِ هو الأكبرُ.

ويُستحَبُّ للعلماءِ ألاَّ يَخرُجوا عن عاداتِ الناسِ ما لم تُخالِفْ أمرَ اللهِ، فيكونونَ مِثلَهم في مَلْبَسِهم ومَشْرَبِهم ومَأْكَلِهم ومَسْكَنِهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت