قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ *وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}
[الأنفال: 24 ـ 25] .
المرادُ بالحياةِ في قولِه تعالى: {لِمَا يُحْيِيكُمْ} هو جهادُ الكُفَّارِ المُعانِدِينَ؛ كما قالَهُ عُرْوةُ بنُ الزُّبَيْرِ (1) ، وابنُ إسحاقَ (2) ، وقال مجاهدٌ: هو الحقُّ (3) ، وقال قتادةُ: هو القرآنُ (4) .
وهذا مِن التنوُّعِ لا التضادِّ، فمِن الحقِّ الذي دعا إليه النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم في القرآنِ: الجهادُ، وظاهرُ سياقِ الآياتِ قبلَها وبعدَها في قتالِ الكفَّارِ المُعانِدِين؛ ففي هذه الآيةِ سمَّى اللهُ الجهادَ حياةً: {لِمَا يُحْيِيكُمْ} ، كما سمَّى القِصاصَ حياةً: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179] ؛ لأنَّ الأُمَّةَ إنْ لم تُجاهِدْ عدوَّها، تسلَّطَ عليها وقتَلَها، وانشغَلَتْ بنفسِها فتناحَرَتْ وقتَلَ بعضُها بعضًا، وإنْ قاتَلَتْ عدوَّها، فلها البقاءُ والعِزَّةُ، ويُحفَظُ دمُها بقوَّةِ شَوْكَتِها، ولو كان الجهادُ في ظاهرِهِ سفكًا للدمِ وفقدًا للمالِ؛ ولكنَّ اللهَ يَحفَظُ به دماءً وأموالًا أعظَمَ ممَّا ذهَبَ منها وفَقَدَتْ، والتاريخُ شاهدٌ أنَّ الأُمَّةَ إنِ انشغَلَتْ عن الجهادِ، دَبَّ فيها القتالُ، وسفَكَ بعضُها دمَ بعضٍ، وإنِ انشغَلَتْ بالجهادِ، حَفِظَ اللهُ دمَها ومالَها، وإنْ ظهَرَ لها خلافُ ذلك، فهم يَنظُرونَ للبداياتِ، ولا ينظُرونَ للنِّهاياتِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) «تفسير ابن أبي حاتم» (5/ 1679) .
(2) «تفسير الطبري» (11/ 105) ، و «تفسير ابن أبي حاتم» (5/ 1680) .
(3) «تفسير الطبري» (11/ 104) ، و «تفسير ابن أبي حاتم» (5/ 1679) .
(4) «تفسير الطبري» (11/ 105) ، و «تفسير ابن أبي حاتم» (5/ 1680) .