{إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِئَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا} [الأنفال: 65] ، وبهذا قال الشافعيُّ: أنَّ الفِرارَ ممَّن فوقَ الضِّعْفِ لا يحرُمُ، والثباتُ مع القدرةِ على النصرِ أَولى.
والتحيُّزُ إلى فئةٍ والتحرُّفُ لقتالٍ يجوزُ ولو كان العدوُّ أقَلَّ مِن المؤمنينَ، على ما تقدَّمَ مِن كلامٍ.
وأكثرُ الآياتِ تحُثُّ المؤمنينَ على الصبرِ، وعدمِ تعلُّقِ القلبِ بكثرةِ الكفَّارِ وقلَّةِ المؤمنينَ؛ حتى لا تُهزَمَ نفوسُ أهلِ الحقِّ ويَضْعُفوا عن لقاءِ العدوِّ؛ كما قال تعالى: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249] .
وقولُهُ تعالى: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِئَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا} [الأنفال: 65] ، وقولُهُ: {فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِئَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ} [الأنفال: 66] .
هذا لتثبيتِ أهلِ الإيمانِ ولتقويةِ عزائِمِهِمْ؛ فإنَّما يُنصَرونَ بإيمانِهم، لا بمجرَّدِ عَدَدِهم وعَتَادِهم، وكلُّ نصرِ اللهِ لنبيِّه ولأصحابِ نبيِّه كان مع قلَّةِ عَدَدٍ وضَعْفِ عُدَدٍ.
ولو ثبَتَ المؤمنُ في لقاءِ الكافرينَ، وترَكَ الرُّخْصةَ له بالفِرارِ والتحيُّزِ والتحرُّفِ، ويَغلِبُ على ظنِّه الهلاكُ بلا إثخانٍ فقُتِلَ، فلا خلافَ في أنَّه شهيدٌ محمودُ العاقبةِ إنْ أخلَصَ، ولم يقُلْ أحدٌ مِن السلفِ ولا يُفهَمُ مِن النصوصِ: أنَّه مُلْقٍ بنفسِهِ إلى التهلُكةِ؛ فإنَّ آياتِ الترخيصِ بالتحيُّزِ والتحرُّفِ والتخفيفِ بالفِرارِ مِن العدوِّ إنْ كان أكثَرَ مِن الضِّعْفِ ـ جاءتْ للترخيصِ بذلك، لا لتفضيلِهِ، فضلًا عن إيجابِه.