فهرس الكتاب

الصفحة 1452 من 2794

لشريعةِ الجهادِ، وشريعةُ الجهادِ لم تكنْ مقصودةً لِذَاتِها؛ وإنَّما جاءَ تَبَعًا لكفرِ الأُممِ وإعراضِها عن عبادةِ اللهِ؛ كما قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} [البقرة: 193] ، وإذا اختَلَّتْ أولويَّاتُ المَقاصدِ الشرعيَّةِ، اختَلَّ ثَبَاتُ الأمَّةِ؛ لمُخالَفَتِها لأمرِ ربِّها؛ ولهذا لمَّا أَسَرَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم مِن قريشٍ في غزوةِ بَدْرٍ، وكانتْ أوَّلَ غَزَواتِهم الظاهرةِ، ولم تَعرِفِ الأُمَمُ بَأْسَهم، ولم يكنْ لهم ظهورٌ ورُعْبٌ في نفوسِ عدوِّهم، وشاوَرَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أصحابَهُ فيهم، وكان أكثرُهم يرَوْنَ الفِداءَ بالمالِ، فمالَ لذلك النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم ـ: عاتَبَ اللهُ أولئك الذين أشارُوا إلى الفِدْيةِ، وكان عمرُ ممَّن قال بالقتلِ، وكان أبو بكرٍ ممَّن قال بالفِدَاءِ، وكان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم قد أدَّى ما عليه مِن الشُّورَى والأخذِ بما عليه عامَّةُ المُسلِمينَ أو أكثرُهم بما لم يكنْ فيه نصٌّ بيِّنٌ، فإنَّ الذين قالوا بالإثخانِ بالقتلِ قِلَّةٌ؛ كعمرَ بنِ الخطَّابِ، وسعدِ بنِ مُعاذٍ، وعبدِ اللهِ بنِ رَوَاحَةَ.

وفي «الصحيحِ» ؛ قال ابنُ عبَّاسٍ: «لمَّا أَسَرُوا الأُْسَارَى، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم لأَِبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: (مَا تَرَوْنَ فِي هَؤُلاَءِ الأُْسَارَى؟) ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا نَبِيَّ اللهِ، هُمْ بَنُو الْعَمِّ وَالْعَشِيرَةِ، أَرَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمْ فِدْيَةً، فَتَكُونَ لَنَا قُوَّةً عَلَى الْكُفَّارِ؛ فَعَسَى اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ لِلإِْسْلاَمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم: (مَا تَرَى يَا بْنَ الْخَطَّابِ؟) ، قُلْتُ: لاَ وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَرَى الَّذِي رَأَى أَبُو بَكْرٍ، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ تُمَكِّنَّا فَنَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ، فَتُمَكِّنَ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَتُمَكِّنِّي مِنْ فُلاَنٍ ـ نَسِيبًا لِعُمَرَ ـ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ؛ فَإِنَّ هَؤُلاَءِ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ وَصَنَادِيدُهَا، فَهَوِيَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْتُ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ جِئْتُ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم وَأَبُو بَكْرٍ قَاعِدَيْنِ يَبْكِيَانِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنِي مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُكَ؟ فَإِنْ وَجَدتُّ بُكَاءً بَكَيْتُ، وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم: (أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت