اليهودِ خَرَاجَ أَرْضِهم وصالَحَهُمْ على ذلك، ولم يَكُنْ ذلك جِزْيةً، وللمُسلِمينَ أنْ يَفعَلوا ذلك مِن بَعْدِه، فأمرُ الصَّغَارِ في الجِزْيةِ مَنُوطٌ بالقُدْرةِ على الصحيحِ؛ كما أنَّ أصلَ القتالِ مَنوطٌ بها كذلك؛ فالجِزْيةُ مِن بابِ أَولى، والصغارُ أَولى مِن ذلك كلِّه.
مِقْدارُ الجِزْيةِ، وممَّن تُؤخَذُ، والحِكْمةُ مِن أَخْذِها:
وتُؤخَذُ الجِزْيةُ مِن البالِغينَ مِن الرِّجالِ دونَ النساءِ، ولا تُؤخَذُ ممَّن لا يُقاتِلُ؛ كالصَّبِيِّ والمرأةِ والمجنونِ والشيخِ الفاني، وقد حكى الاتِّفاقَ على هذا غيرُ واحدٍ؛ كابنِ المُنذِرِ وابنِ قُدَامةَ (1) ، وقد كان عمرُ يَنهى عن أخذِها منهم، وفي وصيَّةِ أبي بكرٍ ليَزِيدَ بنِ أبي سُفْيانَ: «إِنَّكَ سَتَجِدُ قَوْمًا زَعَمُوا أَنَّهُمْ حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ لِلهِ، فَذَرْهُمْ وَمَا زَعَمُوا أَنَّهُمْ حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ» رواهُ البيهقيُّ (2) .
ولا تقديرَ في القِيمَةِ المأخوذةِ على الأصحِّ؛ لأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابَهُ اختَلَفَ أخذُهم، فلم يَكُنْ ذلك مقدَّرًا كنِصَابِ الزَّكاةِ مَشَى عليه جميعُهم؛ فدَلَّ على أنَّ ذلك بحَسَبِ المصلحةِ والقُدْرةِ.
وأمَّا بعثُ رسولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم مُعَاذًا إلى اليمَنِ وأمرُهُ أنْ يأخُذَ الجِزْيةَ؛ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا، أَوْ عِدْلَهُ مَعَافِرَ (3) ـ: فذلك كان منه في قضيَّةِ عَيْنٍ، فقد أخَذ بعدَ ذلك ولم يقدِّرْ مِثلَ ذلك حينَما أخَذَ مِن أهلِ البَحْرَيْنِ ونَجْرانَ؛ فقد صالَحَ أهلَ نَجْرانَ على أَلْفَيْ حُلَّةٍ؛ النِّصْفُ في صفَرٍ، والباقي في رجبٍ (4) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) «المغني» (13/ 216) .
(2) أخرجه مالك في «الموطأ» (2/ 448) ، وعبد الرزاق في «المصنف» (9375) ، والبيهقي في «السنن الكبرى» (9/ 89) .
(3) أخرجه أحمد (5/ 230) ، والترمذي (623) ، والنسائي (2450) .
(4) أخرجه أبو داود (3041) .