يَختلِفونَ في كونِ الطفلِ المنبوذِ قبلَ تمييزِهِ لَقِيطًا، وأنَّ المنبوذَ بعدَ بلوغِهِ ليس بلقيطٍ؛ وإنَّما خلافُهم فيمَنْ هو بينَ ذلك.
وعامَّةُ السلفِ على أنَّ اللقيطَ حُرٌّ، وقد نقَلَ الإجماعَ على ذلك غيرُ واحدٍ؛ كابنِ المُنذِرِ (1) ، ورُوِيَ هذا عن عمرَ وعليٍّ وجماعةٍ مِن السلفِ، فالأصلُ في اللقيطِ: الحريَّةُ، ولا يُستَرَقُّ إلاَّ ببيِّنةٍ، ورُوِيَ هذا عن عليٍّ والحسنِ:
فقد روى الحسنُ عن عليٍّ رضي الله عنه؛ أنَّه قَضَى في اللَّقيطِ أنَّه حرٌّ، وقرَأَ هذه الآيةَ: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ} .
وقال جُهَيْرُ بنُ يزيدَ العبديُّ: سمعتُ الحسنَ وسُئِلَ عن اللقيطِ: أيُباعُ؟ فقال: أبى اللهُ ذلك؛ أمَا تَقْرأُ سورةَ يوسُفَ؟
رواهُما البيهقيُّ (2) .
ورُوِيَ عن النخَعيِّ: أنَّ اللَّقِيطَ عبدٌ إنْ أخَذَهُ ليَسترِقَّهُ، وإن أخَذَهُ لكفالتِهِ احتسابًا، فهو حرٌّ (3) ، وكأنَّه أرجَعَ حريَّةَ اللقيطِ إلى قصدِ المُلتقِطِ ونيَّتِه؛ وهذا القولُ غريبٌ لم يقُلْ به أحدٌ قبلَه فيما أعلَمُ.
وكفالةُ اللقيطِ على بيتِ المالِ، وكما يجبُ التقاطُهُ فيجبُ كفالتُه؛ لأنَّه لا حِيلةَ له، ولا وليَّ يقومُ بشأنِه، ولو تُرِكَ للناسِ لَتَواكَلُوا في أمرِهِ وجاعَ وتعرَّى وهلَكَ؛ وبهذا قضى عمرُ بنُ الخطَّابِ؛ فقد روى مالكٌ، عَنْ سُنَيْنٍ أَبِي جَمِيلَةَ؛ أَنَّهُ وَجَدَ مَنْبُوذًا فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: فَجِئْتُ بِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: «مَا حَمَلَكَ عَلَى أَخْذِ هَذِهِ النَّسَمَةِ؟» ، فَقَالَ: وَجَدتُّهَا ضَائِعَةً فَأَخَذْتُهَا، فَقَالَ لَهُ عَرِيفُهُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: «أَكَذَلِكَ؟» ، قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) «الأوسط» لابن المنذر (11/ 427) .
(2) «السنن الكبرى» للبيهقي (6/ 202) ..
(3) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (21893) .