رجَعَ، إلا إذا غزَا مَن له وِلاَيةُ الإقامةِ بنفسِه؛ كالخليفةِ وأميرِ المِصْرِ؛ يُقيمُ الحَدَّ على مرتكبِيهِ؛ لأنَّه تحتَ يدِه، بخلافِ أميرِ العسكرِ والسَّرِيَّةِ؛ لأنَّه لم تفوَّضْ إليهما الإقامةُ، ولا تُقامُ الحدودُ بعدَ الرجوعِ إلى بلادِ الإسلامِ؛ لأنَّه عندَما ارتَكَبَ الحدَّ في دارِ الحربِ، لم يكنْ للإمامِ عليه قدرةٌ، فلم تنعقِدْ موجبةً، فلا تنقلِبُ موجِبةً بعدَ الخروجِ مِن دارِ الحربِ (1) .
وأصحابُ الرأيِ يرَوْنَ أنَّ مَن يُقيمُ الحدودَ هو أميرُ المِصْرِ، وليس للمسلِمِينَ أنْ يُنِيبُوا أحدًا منهم وهم في سَفَرٍ أو حَرْبٍ، فيُقِيمَ الحدَّ على مَنْ أصابَ الحَدَّ منهم.
وظاهرُ مذهبِ الحنابلةِ، وقولُ إسحاقَ: أنَّ الحدودَ لا تُقامُ في الحربِ، لكنْ تُقامُ عندَ الرجوعِ (2) .
ويُستدَلُّ على عدمِ إقامةِ الحدِّ في دارِ الحربِ بما رواهُ عبدُ الرزَّاقِ ـ وعنه ابنُ المنذرِ في «الأوسطِ» ـ مِن حديثِ ابنِ عُيَيْنةَ، وأخرَجَهُ سعيدٌ وابنُ أبي شَيْبةَ، عن عيسى بنِ يونسَ؛ كلاهما عن الأعمشِ، عن النَّخَعيِّ، عن عَلْقمةَ؛ قَالَ: «أَصَابَ أَمِيرُ الجَيْشِ ـ وَهُوَ الوَلِيدُ بنُ عُقْبَةَ ـ شَرَابًا فَسَكِرَ، فَقَالَ النَّاسُ لأَِبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ ـ أَوِ ابنِ مَسْعُودٍ ـ وَحُذَيْفَةَ بنِ الْيَمَانِ: أَقِيمَا عَلَيْهِ الحَدَّ، فَقَالاَ: لاَ نَفْعَلُ؛ نَحْنُ بِإِزَاءِ العَدُوِّ، وَنَكْرَهُ أَنْ يَعْلَمُوا بِذَلِكَ، فَتَكُونَ جُرْأَةٌ مِنْهُمْ عَلَيْنَا وَضَعْفٌ بِنَا» (3) ؛ وهو صحيحُ الإسنادِ عن علقمةَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ينظر: «البحر الرائق» (5/ 18) .
(2) تقدم تخريجه. وينظر: «المغني» لابن قدامة (9/ 308) .
(3) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (9372) (5/ 197) ، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (28863) (5/ 549) ، وسعيد بن منصور في «سننه» (2501) (2/ 235) ، وابن المنذر في «الأوسط» (667) (11/ 278) .