صومُهُ؛ وهذا هو الظاهرُ مِن الآيةِ، وفي حديثِ سلَمةَ بنِ الأَكْوَعِ في أنَّ الصيامَ كان أوَّلَ أمرِهِ على التخييرِ؛ مَنْ شاء صام رمضانَ، ومَن شاء أفطَرَهُ وأَطْعَمَ، ثمَّ أوجَبَهُ اللهُ بهذه الآيةِ؛ فالمقصودُ مِن شهودِ الشهرِ هو طلوعُ هلالِه على المكلَّفِ بلا عُذْرٍ.
السفرُ بعدَ رؤيةِ هلالِ رمضانَ:
ورُوِيَ عن بعضِ السَّلَفِ: أنَّ المرادَ به: مَنْ رأى الهلالَ مقيمًا، وجَبَ عليه الصومُ، ولا يُعذَرُ بسفَرِه بعدَ ذلك للشهرِ كلِّه، ومِن بابِ أولى مَن أصبَحَ صائمًا، ثمَّ أرادَ السفرَ نهارًا: أنَّه لا يُفطِرُ؛ رُوِيَ هذا عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ؛ رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ، عن عَبِيدةَ السَّلْمَانِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ؛ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ وَهُوَ مُقِيمٌ، ثُمَّ سَافَرَ بَعْدُ، لَزِمَهُ الصَّوْمُ؛ لأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} » (1) .
ورُوِيَ عن عَبِيدةَ السَّلْمانيِّ؛ رواهُ ابنُ جَرِيرٍ، عن محمَّدٍ، عن عَبِيدةَ ـ في الرَّجُلِ يُدرِكُهُ رمضانُ، ثمَّ يسافِرُ ـ قال: «إذا شهِدتَّ أوَّلَهُ، فصُمْ آخِرَهُ؛ ألاَ تراهُ يقولُ: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} ؟!» (2) .
روى عبدُ الرزَّاقِ في «المصنَّفِ» ؛ مِن حديثِ ابنِ سِيرينَ، عن عَبِيدةَ السَّلْمانيِّ؛ أنَّه قال: «مَنْ سَافَرَ فِي رَمَضَانَ، وَقَدْ كَانَ صَامَ أَوَّلَهُ مُقِيمًا، فَلْيَصُمْ آخِرَهُ؛ أَلاَ تَسْمَعُ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} » (3) .
ورُوِيَ هذا عن غيرِ واحدٍ مِن الصحابةِ بأسانيدَ لا تخلو مِن عِلَّةٍ؛ رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ، وجاء عنه خلافُهُ؛ وهو أصحُّ.
وما جاء عن عائشةَ لا يُفيدُ الأمرَ بالصومِ لمَن رأى الهلالَ مقيمًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) «تفسير ابن أبي حاتم» (1/ 312) .
(2) «تفسير الطبري» (3/ 193) .
(3) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (7759) (4/ 269) .