تبرُّكًا، وليس هذا مَساقَ إبطالِ الأَيْمانِ وإسقاطِ الكفَّاراتِ، والآيةُ آمِرةٌ بالاستثناءِ عندَ العَزْمِ على مستقبلٍ: {وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيْتَ} .
وحمَل قِلَّةٌ الأمرَ على الوجوبِ، والمرادُ: أنَّ المؤاخَذةَ والمُخالَفةَ تسقُطُ باستدراكِ الاستثناءِ ولو بعدَ عامٍ، لا أنَّه يُسقِطُ الكفارةَ؛ فهذا لا يُناسِبُ فِقْهَ ابنِ عبَّاسٍ، ومَن استوعَبَ قولَهُ في أبوابِ كفَّاراتِ الأَيمانِ، عرَفَ أنَّه لا يستقيمُ معه حملُ تفسيرِه لهذه الآيةِ على إسقاطِ الكفارةِ؛ فإنَّ ابنَ عبَّاسٍ له أقوالٌ في أبوابِ الكفَّاراتِ، ولم يكنْ يُسقِطُها بالاستثناءِ، والآيةُ جاءتْ لبيانِ ذِكْرِ اللهِ عندَ النِّسْيانِ، والمشيئةِ عندَ العزمِ على ما يُستقبَلُ، وليستْ في مساقِ الأَيْمانِ والاستثناءِ بعدَها منفصِلًا.
ومَن نظَرَ في فقهِ أصحابِ ابنِ عبَّاسٍ، وجَدَ أنَّهم لا يقولونَ بهذا القولِ، ولو كان قولُ ابنِ عبَّاسٍ كذلك، لَمَا تَرَكُوهُ جميعهُم؛ لجلالةِ قَدْرِه، والمرويُّ عنهم خلافُه؛ كعطاءٍ وطاوُسٍ وغيرِهما.
والقولُ بصحَّةِ الاستثناءِ المنفصِلِ كلِّه ضعيفٌ يُبطِلُ أبوابَ الأَيْمانِ وتعظيمَها، وكَفَّاراتِها، ومَن نظَرَ في كلامِ أهلِ العربيَّةِ، وجَدَ أنَّهم لا يَعتبِرونَ الاستثناءَ المنفصِلَ كلامًا صحيحَ الاتِّساقِ، ولا معدودًا في كلامِ العربِ، ولو صحَّ الاستثناءُ ولو بعدَ شهرٍ أو عامٍ، لم يكنْ للكفَّاراتِ قِيمةٌ، ولا لوجوبِ الوفاءِ بالأَيْمانِ قَدْرٌ في الشرعِ، ويكونُ مَن حلَفَ يَستثني ولو بعدَ عامٍ ولا يُكفِّرُ ولا يَفِي، فلم يكنْ للأمرِ بالكفَّارةِ معنًى، والنبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يُرشِدُ إلى الوفاءِ والكفَّارةِ بعدَ لزومِ اليمينِ ولا يأمُرُ بالاستثناءِ؛ كما في «الصحيحِ» ؛ قال صلّى الله عليه وسلّم: (مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ) (1) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه مسلم (1650) .