وثانيها: قولُهُ: {إِنِّي سَقِيمٌ} في سورةِ الصافَّاتِ، وذلك في قولِه تعالى: {وَإِنَّ مِنْ شِيْعَتِهِ لإَبْرَاهِيمَ *إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ *إِذْ قَالَ لأِبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ *أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ *فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ *فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ *فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ *فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ *فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلاَّ تَأْكُلُونَ *مَا لَكُمْ لاَ تَنْطِقُونَ *فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ *فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ *قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ *وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ *قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ *فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمْ الأَسْفَلِينَ} [83 ـ 98] .
وإنَّما قال: «إنِّي سَقِيمٌ» ؛ لكي يتخلَّفَ عنهم في ذَهَابِهم، ويبقى عندَ أصنامِهم ليُحطِّمَها؛ وهذا يدخُلُ في المُخادَعةِ للعدوِّ، وهذا مِن جنسِ قولِهِ صلّى الله عليه وسلّم: (الحَرْبُ خَدْعَةٌ) (1) ، وكان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم إذا أراد غزوةً، وَرَّى بغيرِه (2) .
وثالثُها: قولُهُ لِسَارَةَ: (أُخْتِي) ؛ فإنَّه أراد الدفعَ عن زوجتِهِ، ودفعُ الرَّجُلِ عن عِرْضِهِ يجبُ ولو بدفعِ الصائلِ عليه، فإنْ جازَ الدمُ، فغيرُهُ كالكذبِ مِن بابِ أَولى؛ لأنَّه دُونَهُ؛ فقد قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: (مَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ) ؛ رواهُ أحمدُ وأهلُ السُّنَنِ؛ مِن حديثِ سعيدِ بنِ زيد (3) .
ولو خُيِّرَ إنسانٌ بينَ وقوعِ صائلٍ على عِرْضِهِ وانتهاكِ فرجِ امرأتِهِ وبينَ دفعِهِ بالكذبِ، لكان ذلك جائزًا؛ بل واجِبًا، وهذا يَقضِي به العقلُ والنقلُ، وإنَّما تورَّعَ إبراهيمُ؛ لِعُلُوِّ منزلتِهِ ومَقَامِه، ومقاماتُ الأنبياءِ والأولياءِ ليستْ كمقامِ غيرِهم؛ فإنَّهم يُنزِلونَ في أنفُسِهم لا لغيرِهم بعضَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه البخاري (3030) ، ومسلم (1739) .
(2) اأخرجه البخاري (2947) ، ومسلم (2769) (54) .
(3) أخرجه أحمد (1/ 190) ، وأبو داود (4772) ، والترمذي (1421) ، والنسائي (4095) .