الصلاةِ معايشُ للصِّبْيانِ وأهلِ الذِّمَّةِ، وكانوا يستأْجِرُونَهم التجارُ بالقراريطِ والدوانيقِ؛ يَحْفَظُونَ الحوانيتَ إلى أوانِ انصرافِهم مِن المساجدِ» (1) .
وقال أبو حامدٍ الغزاليُّ في «الإحياءِ» : «كان السلفُ يَبتدِرونَ عندَ الأذانِ، ويُخْلُونَ الأسواقَ للصِّبْيانِ وأهلِ الذِّمَّةِ، وكانوا يُستأجَرُونَ بالقراريطِ لحفظِ الحوانيتِ في أوقاتِ الصلواتِ» (2) .
وقال ابنُ تيميَّةَ في «الفتاوى» : «إذا تعمَّدَ الرجُلُ أنْ يَقعُدَ هناك ويترُكَ الدخولَ إلى المسجِدِ كالذين يقعُدُونَ في الحوانيتِ، فهؤلاءِ مُخطِئونَ مُخالِفونَ للسُّنَّةِ» (3) .
وأكثرُ المؤرِّخينَ لا يَنُصُّونَ عليه؛ لاشتهارِهِ؛ وإنَّما يذكُرونَهُ على سبيلِ مناقبِ الأفرادِ المخصوصِينَ ببعضِ الوِلاَياتِ، وبلَغَ عملُ الحكَّامِ به أقاصيَ بلادِ الإسلامِ حتى بلادِ المغرِبِ الأقصى؛ كالسُّلْطانِ أبي عنانَ المَرِينِيِّ حاكمِ المغرِبِ الأوسطِ كلِّه في القرنِ الثامنِ، كما ذكَرَهُ أبو زيدٍ الفاسيُّ في تاريخِهِ «تاريخِ بيوتاتِ فاسٍ» لدى كلامِه على بيتِ بَنِي زَنْبَقٍ؛ ذكَر أنَّ السُّلْطانَ يُنِيبُ أبا المكارمِ منديلَ بنَ زَنْبَقٍ؛ ليُحرِّضَ الناسَ في الأسواقِ على الصلاةِ في أوقاتِها، ويَضرِبَ عليها بالسِّياطِ والمَقَارِعِ بأمرِ أميرِ المؤمِنينَ أبي عنانَ (4) .
والأمرُ بذلك إلى اليومِ في الحجازِ ونجدٍ وسائرِ جزيرةِ العربِ؛ يُؤمَرُ به ويُعمَلُ، وأكثرُ الناسِ يَدَعُونَ متاجِرَهم رَغْبةً لا رَهْبةً.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) «قوت القلوب» (2/ 437) ..
(2) «إحياء علوم الدين» (2/ 85) ..
(3) «مجموع الفتاوى» (23/ 411) ..
(4) «بيوتات فاس الكبرى» لإسماعيل بن الأحمر (ص 50) ، و «التراتيب الإدارية» (1/ 134) ..