رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم: (لاَ سَبَقَ إِلاَّ فِي خُفٍّ أَوْ فِي حَافِرٍ أَوْ نَصْلٍ (( 1) ؛ وذلك أنَّ غلَبةَ الرومِ على الفُرْسِ كان عامَ الحُدَيْبِيَةِ، وبه استحَقَّ أبو بكرٍ المالَ على رِهَانِه.
وقد قال بأنَّ فِعْلَ أبي بكرٍ داخلٌ في المنسوخِ جمهورُ العلماءِ؛ وذلك أنَّ الفقهاءَ يرَوْنَ منعَ الرِّهَانِ إذا كان المالُ مِن الجميعِ حتى فيما استُثنِيَ في الحديثِ، ما لم يدخُلْ محلِّلٌ، وجعَلُوا ما جاء به حديثُ أبي بكر أَوْلى بالمنعِ والقولِ بنَسْخِه، وأنَّ الحديثَ استثنى مِن السَّبَقِ المالَ المبذولَ مِن بعضِ المتسابِقِينَ لا مِن الجميعِ، وأمَّا مِن الجميعِ فلا يُجِيزُونَهُ إلاَّ بمحلِّلٍ؛ ليتحوَّلَ مِن مالٍ بذَلَهُ الجميعُ إلى مالٍ بذَلَهُ بعضُهم؛ كما يأتي بيانُه.
وقال الحنفيَّةُ بجوازِ الرِّهَانِ بينَ المسلمِ والحَرْبيِّ؛ لإظهارِ الحُجَّةِ؛ وقوةِ الحقِّ.
وبعضُ العلماءِ عمَّمَ وقال بجوازِ المسابَقَةِ في إظهارِ الحُجَّةِ التي بها يحرَّضُ الناسُ على الحقِّ، ويُدفَعُ الشرُّ، وتُفتَحُ القلوبُ للإسلامِ، وبها يَعتزُّ ويرتفعُ، وأيَّدَ هذا القولَ ابنُ تيميَّةَ وابنُ القيِّمِ، وعلى هذا حُمِلَ حديثُ مصارَعَةِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لرُكَانَةَ.
ومِن أسبابِ الخلافِ: أنَّ العلةَ الجامعةَ للثَّلاَثِ التي استثناها رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم مِن الرِّهانِ المحرَّمِ: الجامعُ بينَها إظهارُ القوةِ وإعدادُ العُدَّةِ للجهادِ بالسِّنَانِ واللِّسَانِ؛ سواءٌ كان برميِ السِّهامِ، وهو قولُه: «نَصْلٍ» ؛ يعني: سهمًا، أو كان بسباقِ الخيلِ، وهو قولُه: «حَافِرٍ» ، أو بسباقِ الإبلِ، وهو قولُه: «خُفٍّ» ، أو كان ذلك بالمُناظَرَاتِ والحُجَجِ؛ فمَنْ رأى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه أحمد (2/ 474) ، وأبو داود (2574) ، والترمذي (1700) ، والنسائي (3585) ، وابن ماجه (2878 (.