فهرس الكتاب

الصفحة 2580 من 2794

وقال جماعةٌ مِن السلفِ: إنَّ المرادَ بذلك: هو أنَّ لك أنْ تُبقِيَ مَن تشاءُ في عِصْمَتِكَ، وتطلِّقَ مَن تشاءُ؛ ورُوِيَ هذا عن ابنِ عبَّاسٍ والحسنِ (1) ؛ وفي هذا أنَّ اللهَ أباحَ له مِن النِّساءِ الزواجَ بلا عدَدٍ، وقد نصَّ على هذا المعنى الشافعيُّ في «الأمِّ» (2) .

وبعضُهم حمَل الإرجاءَ في قولِه: {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ} ؛ يعني: مِن الواهباتِ أنفُسَهُنَّ لك، وقال بهذا الشعبيُّ (3) .

وحمَل بعضُ المفسِّرينَ الآيةَ على العمومِ في إرجاءِ الواهباتِ أو إمساكِهِنَّ، وفي أمرِ القَسْمِ بينَ الزوجاتِ أنَّه بالخيارِ، واستُدِلَّ عليه بقولِه تعالى: {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ} (4) ؛ أي: أنَّ أمَّهاتِ المؤمنينَ إنْ عَلِمْنَ أنَّ اللهَ أَذِنَ لكَ وليس بحقٍّ لهنَّ ذلك، فالأمرُ أهوَنُ في نفوسِهنَّ فلا يَحْزَنَّ ولا يَجِدْنَ حرَجًا، ولا يجدُ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم حرَجًا مِن ذلك، فلا يُظَنُّ به مَيْلٌ لواحدةٍ دونَ أُخرى.

ومع ذلك كان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يَعدِلُ بينَ نسائِه ويَستأذِنُهُنَّ تطييبًا لنفوسِهِنَّ، وقد روى البخاريُّ ومسلمٌ، عن عائشةَ: «أنَّ رسولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم كَانَ يَسْتَأْذِنُ فِي يَوْمِ المَرْأَةِ مِنَّا، بَعْدَ أَنْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ} ، فَقُلْتُ لَهَا: مَا كُنْتِ تَقُولِينَ؟ قَالَتْ: كُنْتُ أَقُولُ لَهُ: إِنْ كَانَ ذَاكَ إِلَيَّ، فَإِنِّي لاَ أُرِيدُ ـ يَا رَسُولَ اللهِ ـ أَنْ أُوثِرَ عَلَيْكَ أَحَدًا» (5) .

وكانتْ عائشةُ رضي الله عنها تقولُ: «كان رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم لاَ يُفَضِّلُ بَعْضَنَا

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) «تفسير الطبري» (19/ 140) .

(2) «الأم» (5/ 151) ..

(3) «تفسير ابن أبي حاتم» (10/ 3145) ..

(4) «تفسير الطبري» (19/ 143) ، و «تفسير ابن كثير» (6/ 446) .

(5) أخرجه البخاري (4789) ، ومسلم (1476) ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت