منها ما حَرُمَ عليه كنَظَرٍ ومباشَرةٍ؛ لأنَّه أجنبيٌّ عنها؛ وبهذا القولِ قال أحمدُ وجماعةٌ، وقد رَوى أيُّوبُ، قال: سمعتُ الحسنَ وعِكْرِمةَ يقولانِ: المطلَّقةُ ثلاثًا، والمُتوفَّى عنها: لا سُكْنَى لها ولا نفقةَ؛ قال: فقال عِكْرِمةُ: {لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} ، فقال: ما يُحدِثُ بعدَ الثلاثِ (1) .
والأئمَّةُ الثلاثةُ ـ أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعيُّ ـ يُوجِبونَ السُّكْنَى للمُطلَّقةِ ثلاثًا، ولكنَّهم يَختلِفونَ في النفقةِ؛ فأَوجَبَها أبو حنيفةَ لها، ولم يُوجِبْها مالكٌ والشافعيُّ.
وأُلحِقَ بذلك في قولِ أحمدَ المُتوفَّى عنها زوجُها: أنَّه لا يجبُ لها سُكْنى؛ لانتفاءِ علةِ الرَّجْعةِ بموتِ الزوجِ، وهي العلةُ التي أمَرَ اللهُ بعَدَمِ إخراجِها مِن بيتِها، ونهاها هي عن الخروجِ منه، وعدَمُ وجوبِ السُّكْنى لا يعني وجوبَ إخراجِها ولا استحبابَهُ، بل لها مِن مالِ زوجِها كما لبقيَّةِ الوَرَثةِ.
ولم يجعلِ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم للمَبتوتةِ نفقةً ولا سُكْنى؛ كما في حديثِ فاطمةَ بنتِ قيسٍ الفِهْرِيَّةِ، حينَ طلَّقَها زَوْجُها أبو عمرِو بنُ حفصٍ آخِرَ ثلاثِ تطليقاتٍ، وكان غائبًا عنها باليمنِ، فأرسَلَ إليها بذلك، فأرسَلَ إليها وكيلُهُ بشعيرٍ ـ نفقةً ـ فتَسخَّطَتْهُ، فقال: واللهِ ليس لكِ علينا نفقةٌ، فأتتْ رسولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم، فقال: (ليس لكِ عليه نفقةٌ ولا سُكْنَى) ، وأمَرَها أن تَعْتَدَّ في بيتِ أمِّ شَرِيكٍ، ثمَّ قال: (تِلْكِ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي، اعْتَدِّي عِنْدَ ابنِ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ ) ) 2 (.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) «تفسير الطبري» (23/ 38) .
(2) أخرجه مسلم (1480) .