فهرس الكتاب

الصفحة 2750 من 2794

وأمَّا مَنْ يجعلُ العينَ تحرُمُ بذلك؛ لقولِه تعالى: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} بعدَما ذكَر اللهُ تحريمَ نبيِّه على نفسِه، فإنَّ قولَه تعالى: {تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} ليس المرادُ به التحليلَ بعدَ تحريمٍ؛ وإنَّما المرادُ به الحِلُّ بعدَ عَقْدٍ؛ فاليمينُ تُعقَدُ؛ كما في قولِهِ تعالى: {عَقَّدْتُّمُ الأَيْمَانَ} [المائدة: 89] ، فالكفارةُ تَحُلُّ ما انعقَدَ عليه القلبُ، وليس الحُكْمَ الذي انعقَدَ على العَيْنِ.

تحريمُ الحلالِ يمينٌ وكَفَّارتُه:

ومَنْ قصَدَ بتحريمِهِ حلالَ الطعامِ والشرابِ واللِّباسِ على نفسِهِ أنْ تكونَ يمينًا تَمنعُهُ عن تلك الأشياءِ، فقد اختُلِفَ في جعلِ تحريمِ الحلالِ يمينًا، وفي المحلوفِ به فيها:

فمِن العلماءِ: مَن كرِهها؛ كأحمدَ وجماعةٍ مِن أصحابِه؛ حيثُ حُمِلَتْ على مشابهةِ الحَلِفِ بغيرِ اللهِ.

وجمهورُ العلماءِ: على جوازِها؛ لأنَّ الحالفَ لم يَحلِفْ بمخلوقٍ؛ وإنَّما هو إلزامٌ للنَّفْسِ بشيءٍ أمامَ اللهِ، وحالُه كحالِ النَّذْرِ.

قولُهُ تعالى: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} : لمَّا ذكَر اللهُ تعالى تحريمَ الحلالِ، ذكَر أنَّه ينعقدُ على إلزامٍ كاليمينِ الصريحةِ، فجعَل له حَلًّا في قولِه: {تَحِلَّةَ} ، ثمَّ سمَّاهُ اللهُ تعالى يمينًا في قولِه: {أَيْمَانِكُمْ} .

ولكنَّ السلفَ مختلِفونَ في تحريمِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم على نَفْسِه: هل كان تحريمًا مجرَّدًا فتكونَ التَّحِلَّةُ متعلِّقةً بالتحريمِ المجرَّدِ، أو اقترَنَ بيمينٍ فتكونَ التَّحِلَّةُ في الآيةِ على اليمينِ لا على التحريمِ:

فمِن السلفِ: مَن قال: إنَّه حرَّم على نَفْسِهِ فجعَلَها اللهُ يمينًا ولم يكنْ معها يمينٌ؛ وهذا ظاهرُ قولِ الحسنِ وقتادةَ (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) «تفسير الطبري» (23/ 88) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت