وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ *أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ.
كانتِ العربُ شديدةَ المُفاخَرةِ بأنسَابِها وأحسابِها، وصنائعِ آبائِها وأجدادِها، واتَّخَذَتْ مِن مَجَامِعِها في الحجِّ في الجاهليَّةِ مواضعَ لذلك تذكُرُ آباءَها وتفاخِرُ بهم؛ رُوِيَ هذا المعنى عن ابنِ عباسٍ، وأنسٍ، وابنِ الزبيرِ، ومحمدِ بنِ كعبٍ (1) .
وروى سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ: «كان أهلُ الجاهليَّةِ يَقِفُونَ في المَوْسِمِ، فيقولُ الرجلُ منهم: كان أبي يُطْعِمُ ويَحْمِلُ الحَمَالاتِ، ويَحْمِلُ الدِّيَاتِ، ليس لهم ذِكْرٌ غيرُ فِعَالِ آبائِهم، فأنزَلَ اللَّهُ على محمَّدٍ صلّى الله عليه وسلّم: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} » (2) .
وذَكَّرَ اللهُ عِبادَهُ بأمرِ الآخِرَةِ، لا كما يفعلُهُ العربُ في الجاهليَّةِ مِن استغلالِ المناسِكِ للدعاءِ بالرخاءِ في الدُّنْيا والسَّعَةِ فيها؛ فعن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ: «كان قومٌ مِنَ الأعرابِ يَجِيئُونَ إلى المَوْقِفِ، فيقولونَ: اللهمَّ، اجْعَلْهُ عامَ غَيْثٍ، وعامَ خِصْبٍ، وعامَ وِلادٍ حَسَنٍ؛ لا يَذْكُرونَ مِن أمرِ الآخِرةِ شيئًا؛ فأنزَلَ اللَّهُ فيهم: {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ} » (3) .
ثمَّ ذَكَرَ اللهُ الحالَ الصالحةَ، فمدَحَها في قولِهِ: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ *أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} .
وهي حالُ قومٍ مِن الحاجِّ سَأَلُوا اللهَ دُنْيَا وآخِرةً؛ فجعَلَ اللهُ لهم نصيبًا ممَّا سَأَلُوا، ولم يَلُمْهُمْ على سؤالِ الدُّنيا مع الآخِرةِ، ولا في تقديمِ الدُّنيا في الدعاءِ على الآخِرةِ؛ رحمةً منه وسَعَةً على عِبَادِه.
وفي الآيةِ: استحبابُ الإجمالِ في الدعاءِ، وسؤالِ اللهِ مِن عمومِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 535 ـ 538) ، و «تفسير ابن أبي حاتم» (2/ 355 ـ 356) .
(2) «تفسير ابن أبي حاتم» (2/ 355) .
(3) «تفسير ابن أبي حاتم» (2/ 357) .