المتشابِهاتِ وَرَعًا، وضعيفَ الإيمانِ يقَعُ فيها ولا يُبالي، ثمَّ يَقِلَّ العامِلُ بها فيَنزِلَ عليهِمُ النصُّ، فيَستثقِلُوا البقاءَ على الفِعْلِ المحرَّمِ، ولا يَجِدوا من يأنَسُونَ به مِن الثِّقاتِ على البقاءِ عليها، فيَرَوْهُمْ قد سبَقُوهُم بالتَّرْكِ، فإنْ لم يترُكُوها إيمانًا، ترَكُوها حياءً ومسايَرةً، والتروكُ في الإسلامِ يهتمُّ الشارعُ بتركِها ولو بلا نِيَّةٍ؛ بخلافِ الأفعالِ.
وفي الآيةِ: أنَّه عند اشتِهارِ الشرِّ، وتلبُّسِ الناسِ به: تُذكَرُ الموازَنةُ فيما عَظُمَ شَرُّهُ على خيرِه، وتقريرُ ذلك ولو كانَ قطعيَّ التحريمِ في الشريعةِ؛ لأنَّ النَّاسَ لا تُوغِلُ في عمَلٍ محرَّمٍ إلاَّ وهي ترى نفْعَهُ في دنياها غالبًا، فذِكْرُ الموازَنةِ إقرارٌ بصِحَّةِ عقولِهم مع قِصَرِ نظَرِهم، فإلغاءُ النفعِ الذي يرَوْنَهُ إلغاءً تامًّا يَحمِلُهم على ازدراءِ المخالِفِ واتِّهامِه بالمكابَرةِ والمعانَدةِ المَحضةِ؛ فالإقرارُ بما يُؤمِنونَ بِنَفْعِهِ وصِحَّةِ ذلك: أَدْعَى لقَبُولِ الحقِّ وتمييزِه؛ لأنَّ أخطرَ وجوهِ الصدِّ عن الحقِّ جَحْدُ سلامةِ عقلِ المخالِفِ بالجملةِ وإنكارُه، فيحضُرُ العِنادُ والمكابَرةُ، وتَغِيبُ الحُجَّةُ فلا تُرى صحيحةً.
فاللهُ بيَّنَ صِحَّةَ ما يرَوْنَهُ مِن منافِعَ في الخمرِ والمَيسِرِ، وسلامةَ ذلك النَّظَرِ، ولكنْ بَيَّنَ ما غاب عنهم مِن مَفاسدِهما الغالبةِ، وهذا إيناسٌ للنفوسِ أنْ تُقبِلَ ولا تُعانِدَ وتُكابِرَ.
وهذه الموازَنةُ في الأمرِ المحرَّمِ الذي تثبُتُ مَنافِعُه، لا في المحرَّمِ الذي مَنافِعُهُ متوهَّمةٌ فتُصنَعُ له مَنافعُ تأليفًا وتقريبًا؛ فهذا غِشٌّ وتدليسٌ وظُلْمٌ، ولا كذلك في المحرَّمِ غيرِ المستقِرِّ في الناسِ ولا الراسخِ فيهم، فتبيينُ مَنافِعِهِ لهم تَرغيبٌ لهم في البقاءِ وإيناسٌ لهم على باطلِهم، وهذه الأحوالُ تقَعُ بحسَبِ ميزانِ العالِمِ لها، وتَختلِفُ بحسَبِ نوعِ المحرَّمِ وزمَنِهِ وبلَدِهِ.