ولعلَّ عطاءَ بنَ أبي رَبَاحٍ نَفَى العِلْمَ بوجوبِ بَذْلِ السلامِ عندَ دخولِ البيوتِ التي سبَقَ إليها الإيناسُ باعتيادِ الإنسانِ دخولَها والخروجَ منها، للصلواتِ الخمسِ، وللسُّوقِ، ولإجابةِ طارقِ البابِ، وقضاءِ حاجةِ المحتاجِ، وبذلِ السلامِ عندَ الدخولِ للبيتِ ولو لم يكنْ فيه أحدٌ: أنَّه لا يُوجِبُهُ أحدٌ.
ويُؤيِّدُ هذا: روايةُ ابنِ جُرَيْجٍ الأُخرى؛ قال: قلتُ لعطاءٍ: فإنْ لم يكنْ في البيتِ أحدٌ؟ قال: سلِّمْ، قلِ: السلامُ على النبيِّ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه، السلامُ علينا وعلى عِبادِ اللهِ الصالحِين، السلامُ على أهلِ البيتِ ورحمةُ اللهِ، قلتُ له: قولُكَ هذا إذا دخَلْتَ بيتًا ليس فيه أحدٌ، عمَّن تَأْثِرُه؟ قال: سمعتُهُ ولم يُؤثَرْ لي عن أحدٍ (1) .
فابنُ جُرَيْجٍ وعطاءٌ يَعْنِيَانِ بعدمِ وجوبِ السلامِ: السلامَ الخاصَّ بالبيوتِ التي اعتاد الإنسانُ دخولَها لسبقِ الإيناسِ بينَه وبينَ أهلِها، ومِثلُ هذه الحالِ: الصحيحُ أنَّ السلامَ لا يجبُ بذلُهُ، وثَمَّةَ فرقٌ بينَ الدُّورِ والمجالسِ التي اعتاد الإنسانُ غِشْيانَها بكثرةٍ؛ كبَيْتِهِ ومسجدِه، فالأمرُ ببذلِ السلامِ فيها أخَفُّ وأيسَرُ مِن المجالسِ التي لا يدخُلُها الإنسانُ إلاَّ لمامًا أو لم يدخُلْها مِن قبلُ؛ فالتحيَّةُ لا بدَّ منها بأيِّ لفظٍ وصيغةٍ؛ وذلك لأنَّ التحيَّةَ إنَّما شُرِعَتْ لأجلِ الإيناسِ، وهو يُوجَدُ في بيتِ الرجلِ ولا يُوجدُ في الأبعَدِينَ، وحُكْمُ بذلِ التحيَّةِ مقترِنٌ مع وجودِ الإيناسِ وعدمِه.
وحَمَلَ بعضُهم الردَّ بأحسَنَ منها في قولِهِ تعالى: {فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} على المؤمنينَ خاصَّةً؛ رواهُ سعيدٌ عن قتادةَ، وقال به عطاءٌ والحسنُ (2) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) «تفسير الطبري» (17/ 379) .
(2) «تفسير الطبري» (7/ 275) ، و «تفسير ابن المنذر» (2/ 817) ، و «تفسير ابن أبي حاتم» (3/ 1021) .