الآمِرةِ ببذلِ السلامِ عامَّةٌ، والعمومُ لا يَقضي على الخصوصِ، بل الخصوصُ يُخصِّصُهُ ويُقيِّدُه.
وقد كان عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ يَنْهَى عن بَداءةِ أهلِ الذِّمَّةِ بالسلامِ، ولكنْ يَرُدُّ عليهم (1) .
وقد كان أبو أُمامةَ يُسلِّمُ على أهلِ الكتابِ، ويجعلُها أمانًا لا تحيةً؛ فقد كان يُسلِّمُ عليهم، ويقولُ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم يقولُ: (إِنَّ اللهَ جَعَلَ السَّلاَمَ تَحِيَّةً لِأُمَّتِنَا، وَأَمَانًا لأَهْلِ ذِمَّتِنَا) (2) .
وصحَّ عن ابنِ مسعودٍ مِن روايةِ عَلْقمةَ: أنَّه كان يُسلِّمُ على دَهَاقِينَ صَحِبُوهُ، وسُئِلَ عن ذلك؟ فقال: «صَحِبُونِي، وَلِلصُّحْبَةِ حَقٌّ» (3) .
وحَمَلَ بعضُ الأئمَّةِ ـ كابنِ راهَوَيْهِ وابنِ تيميَّةَ ـ النهيَ في حديثِ أبي هريرةَ على يهودِ بَني قُرَيْظَةَ لمَّا أراد حَرْبَهُمْ، منَعَ مِن بذلِ السلامِ لهم؛ حتى لا يَظُنُّوهُ أمانًا.
ولم أَرَ في الخَبَرِ ولا في الأثرِ عن الصحابةِ ما يُؤيِّدُ هذا، وقد أسلَمَ أبو هريرةَ راوي الحديثِ بعدَ حربِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لبني قُريظةَ؛ وظاهرُ روايتِهِ ـ وهو أعلَمُ بقيدِه ـ العمومُ، ولو كان في عِلْمِهِ أنَّه خاصٌّ قَيَّدَهُ، وهكذا مَن رواهُ مِن العلماءِ في كُتُبِهم ـ كمُسْلِمٍ ـ لا يَذكُرُونَهُ في أبوابِ الحربِ والأمانِ؛ وإنَّما في معاني تحيَّةِ الكافرِ، وأكثرُ السلفِ على هذا.
ولكنَّ ظاهِرَ النصوصِ وعملِ السلفِ عدمُ التشديدِ في هذه المسألةِ، ولو كان بذلُ السلامِ للكافرِ شديدًا، لَوَرَدَ النصُّ فيه كثرةً واتِّفاقًا كتحريمِ الاستغفارِ له؛ فإنَّ البَلْوَى تَعُمُّ بالتحيَّةِ أشَدَّ مِن الاستغفارِ، ونصوصُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (25750) (5/ 249) .
(2) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (7518) (8/ 109) .
(3) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (25865) (5/ 259) .