تمسُّكًا بمبدأِ النفسِ المُتكبِّرةِ: حُبِّ الثباتِ وعدمِ التحوُّلِ، فقال للنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «لَوْلاَ أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ؛ يَقُولُونَ: إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَزَعُ، لَأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ» (1) ، فمات وهو يقولُ: «هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ» (2) .
والكافرُ الأصليُّ الناشئُ على كفرِهِ أهوَنُ في دخولِهِ للإسلامِ ممَّن كان كافرًا ثمَّ أسلَمَ ثمَّ كفَرَ، وكلَّما زاد تحوُّلُهُ، ضعُفَ رجاءُ عَوْدَتِه، ولو عاد، لم يَرجِعْ كسابِقِ أمرِه؛ ولهذا لا يُشرَعُ توليةُ المُرتَدِّ بعدَ إسلامِهِ ثمَّ تاب بعدَ ذلك، ولا توليةُ المُنتكِسِ عن الحقِّ البيِّنِ المُتحوِّلِ مِن السُّنَّةِ إلى البدعةِ، ومِن البدعةِ رجَعَ إلى السُّنَّةِ، مع قَبُولِ الحقِّ منه، وله ما للمُسلِمينَ وعليه ما عليهم، ولا يُنفَّرُ مِن الحقِّ، ولا يُعيَّرُ بكُفْرِهِ السابقِ أو بدعتِه؛ بل يُتألَّفُ قَلْبُه، لكنْ لا يُصدَّرُ ولا يُوَلَّى ولايةً؛ حتى لا يكونَ رأسًا يَتْبَعُهُ الناسُ فيَرجِعَ إلى ضلالِهِ مرةً أُخرى فيَتأثَّرَ به الناسُ ويَشْمَتَ بالأُمَّةِ أعداؤُها.
ومَن سَبَرَ حالَ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وخلفائِه، وجَدَ أنَّهم لا يُوَلُّونَ أحدًا له سابقةٌ في رِدَّةٍ، أو تحوَّلَ مِن السُّنَّةِ إلى البدعةِ ثمَّ رجَعَ؛ لأنَّه لا يُؤمَنُ مِن رجوعِهِ إلى مِثْلِها وكثرةِ تحوُّلِه.
ومِثلُ الوِلاَياتِ: الشدائدُ؛ ولذلك لمَّا استنفَرَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أصحابَهُ للجهادِ، خالَفَهُ بعضُ المُنافِقِينَ، فقعَدُوا، فخرَجَ النبيُّ بالصادِقِينَ معه، فقال اللهُ: {فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِي أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ} [التوبة: 83] ، فمَنَعَهُم النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم مِن الخروجِ معه مرةً أُخرى؛
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه مسلم (25) (1/ 55) .
(2) أخرجه البخاري (1360) (2/ 95) ، ومسلم (24) (1/ 54) ، وإنَّما قال أبو طالب: «أنا» ، وغيَّرها الراوي إلى: «هو على ملَّةِ عبد المُطَّلبِ» ؛ كراهةً لِلَّفْظِ القبيح، ذكره النوويُّ وغيره ..