فهرس الكتاب

الصفحة 970 من 2794

قال: «تَستَخْفونَ بإيمانِكُمْ كما استَخْفَى هذا الرَّاعي بإيمانِه» (1) .

ومِن هذا قولُهُ تعالى: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ} [الأنفال: 26] ، فإنْ تذكَّرَ الإنسانُ سالفَ أمرِهِ، لا بدَّ أن يَجِدَ مِن تغيُّرِ حالِهِ ما يُدرِكُ به فضلَ اللهِ عليه.

وتذكُّرُ الإنسانِ لسابقتِهِ يَدْعُوهُ إلى التواضُعِ وحضورِ العدلِ والإنصافِ في نفسِه، وكَسْرِ شَوْكةِ الكِبْرِ منها؛ وهذا يَحتاجُ إليه كلُّ أحدٍ؛ لتطهيرِ النَّفْسِ، والعدلِ مع الناسِ، والرحمةِ بهم؛ فمَنْ كان عالِمًا، تذكَّرَ جَهْلَهُ، فرَفَقَ بالجاهلِ وعذَرَهُ وعَلَّمَه، ومَن كان مسلِمًا بعدَ كُفْرِه، تذكَّرَ كُفْرَه، فعرَفَ مواضِعَ مؤاخَذةِ الكافرِ، ومَن كان غنيًّا، تذكَّرَ فَقْرَهُ فرَحِمَ الفقيرَ وأعطاه.

وتذكُّرُ الإنسانِ حالَهُ قبلَ النعمةِ يذكِّرُهُ بفضلِ اللهِ عليه ونعمتِهِ ورحمتِهِ به، فيَتواضَعُ ويَرحَمُ ويشكُرُ؛ وهذا يحتاجُ إليه كلُّ أحدٍ؛ قال اللهُ تعالى لنبيِّه صلّى الله عليه وسلّم: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى *وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَى *وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى} [الضحى: 6 ـ 8] ، ثمَّ قال اللهُ مبيِّنًا أثرَ التذكيرِ بسالفِ الأمرِ: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ *وَأَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ *وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: 9 ـ 11] ، فذكَّرَهُ باليُتْمِ، ثمَّ نَهاهُ عن قَهْرِ اليتيمِ، وذكَّرَهُ بعدمِ العِلْمِ، ثمَّ نَهاهُ عن نَهْرِ السائلِ الجاهلِ، والسائلِ الفقيرِ.

قال قتادةُ في قولِهِ تعالى: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى *وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَى *وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى} : «كانَتْ هذه منازِلَ رسولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم قبلَ أنْ يَبعثَهُ اللهُ سبحانَهُ وتعالى» ؛ رواهُ سعيدٌ عن قتادةَ؛ أخرَجَهُ ابنُ جريرٍ (2) .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) «تفسير الطبري» (7/ 363) ، و «تفسير ابن أبي حاتم» (3/ 1041) .

(2) «تفسير الطبري» (24/ 489) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت