والقولُ الثاني: رُوِيَ عن الشَّعْبيِّ أيضًا وابنِ إسحاقَ في «السِّيرَةِ» وغيرِهما؛ والأوَّلُ أصحُّ عن الشَّعْبيِّ.
روى ابنُ جريرٍ، عن داودَ، عن الشَّعْبيِّ؛ قال: «بلَغَنا أنَّ القرآنَ نزَلَ جملةً واحدةً إلى السماءِ الدُّنيا» (1) .
وفي قوله تعالى: {هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} إشارةٌ إلى نزولِه إلى السماءِ الدُّنْيا فيها، وهذا محتمِلٌ أن يكونَ القرآنُ نزَلَ مجمَلًا إلى السماءِ الدُّنْيا في ليلةِ القدرِ، ونزَلَ أوَّلَ ما نزَلَ فيها أيضًا؛ فهدايةُ الناسِ وانتفاعُهم ببيِّناتِهِ، وكونُهُ فَيْصلًا وفُرْقانًا للحقِّ الملتبِسِ في عقولِهم عن الباطلِ، لا يكونُ إلاَّ مع نزولِهِ على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في الأرضِ.
ويؤيِّدُ هذا قولُهُ تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ} [الدخان: 3] فالإنذارُ المذكورُ في الآية: إمَّا وعدٌ بكونِهِ نذيرًا للناسِ عندَ نزولِه؛ كما في قولِهِ تعالى: {وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ *} [الأنبياء: 104] ؛ فيُحمَلُ على القولِ الثاني، وإمَّا إخبارٌ بأثَرِه في الناسِ عندَ نزولِه؛ فيُحمَلُ على القولِ الأوَّلِ.
ولا يختلِفُ القولُ الثاني عن القولِ الأوَّلِ؛ إذا قيلَ بأنَّ اللهَ أنزَلَهُ في ليلةِ القدرِ جملةً واحدةً، ثمَّ أنزَلَهُ فيها على نبيِّه صلّى الله عليه وسلّم:
فمَن قال بنزولِ القرآنِ إلى الأرضِ في ليلةِ القدرِ، لا يَنفي قولَ مَن قال: إنَّه نزَلَ جُمْلةً إلى السماءِ الدُّنيا، ولكنَّه يُثبِتُ معنًى زائدا بعدَ الإنزالِ مجمَلًا.
ومَن قال: إنَّ المقصودَ إنزالُهُ جملةً في ليلةِ القدرِ، يسكُتُ ولا يَنفي نزولَهُ إلى الأرضِ في ليلةِ القدرِ؛ وهذا الذي يَظهَرُ مِن الأقوالِ المرويَّةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) «تفسير الطبري» (3/ 191) .