ومنهم: مَن حمَلَهُ على تحرُّجِهم مِن الأكلِ مع الأعمى؛ لأنَّه لا يُبصِرُ الأكلَ وما فيه مِن طيِّباتٍ، فتحرَّجُوا مِن الاستئثارِ بأكلِ الطيِّبِ دونَهُ، والأعرجِ الذي لا يستقيمُ مقعدُهُ لتناوُلِ الأكلِ كالصحيح المُعافَى، والضعيفِ المريضِ الذي لا يَقْوَى على أكلِ ما تَشتَهِيهِ نفسُهُ فيمنعُهُ العجزُ أو المرضُ؛ وهذا رُوِيَ عن ابنِ جُبَيْرٍ ومِقْسَمٍ والضحاكِ وسُلَيْمانَ بنِ موسى (1) .
وصحَّ عن قتادةَ أنَّه قال: «مُنِعَتِ البيوتُ زمانًا كان الرجلُ لا يُطعِمُ أحدًا ولا يأكُلُ في بيتِ غيرِهِ تأثُّمًا مِن ذلك؛ فكان أولُ مَن رُخِّصَ له في ذلك الأعمى، ثمَّ رُخِّصَ بعدَ ذلك للناسِ عامَّةً» (2) .
وقد قال مجاهدٌ: «كان الرجلُ يذهبُ بالأعمى والمريضِ والأعرجِ إلى بيتِ أبيهِ، أو إلى بيتِ أخيهِ، أو عمِّه، أو خالِه، أو خالتِه، فكان الزَّمْنَى يَتحرَّجونَ مِن ذلك؛ يقولونَ: إنَّما يَذْهَبُونَ بنا إلى بيوتِ غيرِهم، فنزَلَتْ هذه الآيةُ رُخْصةً لهم» ؛ رواهُ ابنُ جريرٍ، وابنُ أبي حاتمٍ (3) .
قولُهُ تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا} ؛ جاء عن ابنِ عبَّاسٍ أنَّه قال: «كانوا أيضًا يَأنَفُونَ ويتحرَّجونَ أنْ يأكُلَ الرجلُ الطعامَ وحدَهُ حتى يكونَ معه غيرُه؛ فرخَّصَ اللهُ لهم في ذلك؛ فقال: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا} » ؛ أخرَجَهُ ابنُ جريرٍ وابنُ أبي حاتمٍ (4) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) «تفسير ابن أبي حاتم» (8/ 2643 ـ 2644) ..
(2) «تفسير ابن أبي حاتم» (8/ 2644) ..
(3) «تفسير الطبري» (17/ 368) ، و «تفسير ابن أبي حاتم» (8/ 2645) ..
(4) «تفسير الطبري» (17/ 375) ، و «تفسير ابن أبي حاتم» (8/ 2648) ..