فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 40405 من 90754

[السُّؤَالُ] ـ [أشتغل في منطقة تبعد عن سكنى بأكثر من ألف ك. م حيث أستمر في العمل مدة أسبوعين ثم أعود إلى بيتى مدة أسبوعين ثم أرجع إلى العمل وهكذا طول العام. سؤالى هو: هل أقصر وأجمع الصلاة في العمل باعتبار أنى مسافر ولا أصلى الجمعة لنفس السبب؟ .أفتونا مأجورين.] ـ

[الفَتْوَى] الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم أما بعد:

فمن سافر سفر طاعة كحج أو عمرة أو صلة رحم، أو سفرًا مباحًا كطلب رزق، وكانت المسافة التي يقطعها في سفره أكثر من أربعة برد، وهي: ما تعادل ـ تقريبًا ـ ثلاثة وثمانين كيلومتر، فله أن يقصر الصلاة ويجمعها أثناء السفر. وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم.

فإذا وصل إلى وجهته المقصودة من سفره، فهل له أن يقصر ويجمع، ويأخذ أحكام المسافر أم يأخذ حكم المقيم؟

اختلف أهل العلم في ذلك حتى حكى ابن عبد البر في المسألة أحد عشر قولًا، فذهب بعضهم إلى أنه يتم بمجرد وصوله إلى مقصده ويروى ذلك عن الحسن، وقيل بمجرد حط رحاله ووضع زاده وهو مروي عن عائشة وطاووس. ولا دليل على ذلك.

وذهب أكثر أهل العلم إلى أن للمسافر حق القصر ما لم ينو الإقامة في البلد التي سافر إليها مدة معينة، وحكى ابن المنذر الإجماع على ذلك فقال: أجمع أهل العلم أن للمسافر أن يقصر ما لم يجمع إقامة، وإن أتى عليه سنون.

واختلفوا في تقدير هذه المدة التي إذا نواها صار في حكم المقيم:

فقالت الحنفية: يصير مقيمًا، ويمتنع عليه القصر إذا نوى الإقامة في بلد خمسة عشر يومًا فصاعدًا، فإن نوى تلك المدة أو أكثر لزمه الإتمام، وإن نوى أقل من ذلك قصر.

وذهبت المالكية والشافعية إلى أن المسافر إذا نوى إقامة أربعة أيام ـ غير يومى الدخول والخروج ـ أتم صلاته، لأن الله تعالى أباح القصر بشرط الضرب في الأرض، والمقيم والعازم على الإقامة غير ضارب في الأرض، والسنة بينت أن ما دون الأربعة لا يقطع حكم السفر، ففي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثًا"وأقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة في عمرته ثلاثًا يقصر الصلاة، ووجه ذلك أن المهاجر ممنوع من الإقامة في مكة، فدل على أن الثلاثة لا تعد إقامة، وأن الأربعة إقامة.

وقالت الحنابلة: له أن يقصر الصلاة إلا أن ينوي الإقامة أكثر من أربعة أيام أو أكثر من عشرين صلاة، ويُحسب من المدة يوما الدخول والخروج، ودليلهم حديث جابر وابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم مكة صبيحة الرابع من ذى الحجة فأقام بها الرابع والخامس والسادس والسابع وصلى صبح الثامن ثم خرج إلى منى، وكان يقصر الصلاة في هذه الأيام. والحديث متفق عليه.

ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن للمسافر أن يقصر الصلاة ما دام لم ينو الإقامة المطلقة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أقاموا بعد فتح مكة قريبا من عشرين يومًا يقصرون الصلاة، وأقاموا بمكة عشرة أيام يفطرون رمضان، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أنه يحتاج أن يقيم بها أكثر من أربعة أيام. قال أنس: أقام أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم برام هرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة. رواه البيهقى بسند حسن.

وسبب اختلافهم هو الاختلاف في معنى الإقامة، وقد فصل بعض أهل العلم في بيان ما يصير به المسافر مقيمًا فقال: المسافر يصير مقيمًا بوجود الإقامة. والإقامة هي صريح نية الإقامة، وهو أن ينوي الإقامة أربعة أيام في مكان واحد يصلح للإقامة.

ومعنى صريح نية الإقامة أن يعزم عليها ويجمع النية لها، فلو دخل بلدًا ومكث شهرًا أو أكثر انتظارًا لقافلة أو لحاجة أخرى يقول: أخرج اليوم أو غدًا إذا انتهت حاجتي ـ ولم ينو الإقامة ـ لا يصير بذلك مقيمًا.

وأما قول من قال: يقصر مطلقًا ويعتبر مسافرًا ما لم ينو الإقامة المطلقة، ولم يحدد الإقامة بزمن فغير مسلم، واستدلالهم بما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وفتح مكة، وبفعل بعض الصحابة برام هرمز وأذربيجان غير صريح في الدلالة لما ذهبوا إليه، لأن من نوى الإقامة غير عازم عليها ومترددًا فيها فهو في حكم المسافر. لأن المتردد في نية الإقامة، أو من حاصر عدوًا، أو حاصره عدو أو سيل أو جليد أو كان ينتظر حاجة يتوقعها في سفره، كل يوم يرجو قضاءها، فكل هذا لا يأخذ حكم المقيم، لأنه غير عازم على الإقامة، وهذا ما يستفاد من الأحداث التي استدلوا بها، لأنهم ـ في جميعها ـ كانوا مترقبين السفر.

وأما تحديد المدة بأربعة أيام فللحديث السابق حيث نهى النبي صلى الله عليه وسلم المهاجر أن يقيم فوق ثلاث بعد قضاء نسكه، ولما استدل به الحنابلة في مكثه صلى الله عليه وسلم بمكة يقصر إلى اليوم الثامن يوم خروجه إلى منى، وكان قد دخلها صبيحة الرابع من ذي الحجة فكان مكثه بمكة غير يومي الدخول والخروج ثلاثة أيام.

ومما يشهد لهذا أنه متى نوى سلفًا إقامة أكثر من أربعة أيام فإن وصف المشقة الذي يلازم المسافر يزول عنه غالبًا بنوع استقرار يجعل شبهه بالمقيم أكثر من شبهه بالمسافر، فكان إلحاقه به أقوى دليلًا وتعليلًا.

وبناء على ما تقدم فالأحوط هو ما ذهب إليه مالك والشافعي من أن المسافر إذا عزم على الإقامة أربعة أيام غير يومي الدخول والخروج أتم.

وعلى ذلك فعليك أيها السائل الكريم أن تتم الصلاة وتلزمك أحكام المقيم ما دمت عزمت على الإقامة أربعة أيام فأكثر.

والله أعلم.

[تَارِيخُ الْفَتْوَى] 19 رمضان 1421

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت