فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية العمرى وجوازها، وصحتها ونفاذها شرعًا، لقوله رضي الله عنه: قضى في العمرى، وقضاؤه فيها دليل مشروعيتها وصحتها، وأنها من المعاملات والعقود الشرعية.
قال الحافظ: وذهب الجمهور إلى صحة العمرى إلاّ ما حكاه أبو الطيب الطبري عن بعض الناس وما روي عن داود، لكن ابن حزم قال بصحتها، وهو شيخ الظاهرية، قال الحافظ: ومنع الرقبى مالك وأبو حنيفة ومحمد، ووافق أبو يوسف الجمهور، وقد روى النسائي بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفًا العمرى والرقبى سواء، والجمهور على أن العمرى والرقبى جائزان. ثانيًًا: أن العمرى تكون هبة مملوكة لمن أعمرت له، ولعقبه من بعده، فمن أعمر بستانًا لشخص فقد وهبه إياه وملكه له ولأولاده من بعده، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -كما في حديث الباب- قضى بأنها لمن وهبت له، وفي رواية مسلم: لا ترجع إلى الذي أعطاها، لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث، وفي رواية أخرى له عن الزهري، فقد قطع قوله حقه، وهي لمن أُعْمِر ولعقبه، فلو قال: إن مت عاد إليَّ أو إلى ورثتي صحت الهبة [1] وألغي الشرط، لأنه فاسد لِإطلاق الحديث، وعليه العمل عند أكثر أهل العلم، يرون أن العمرى تمليك للرقبة خلافًا لمالك. قال في"الإفصاح"واختلفوا في العمرى فقال أبو حنيفة [2] والشافعي وأحمد: العمرى تملك الرقبة، فإذا أعمر رجلًا دارًا فقال: أعمرتك داري هذه، أو قال: جعلتها لك عمرك أو عمري سواء، قال: المعمر للمعمر هي لك ولعقبك أو أطلق، فإن لم يكن له وارث فلبيت المال، ولا يعود إلى المعمر شيء وقال مالك: هي تمليك المنافع، فإذا مات المعمر رجعت إلى المعمر، وإن ذكر في الإِعمار عقبه رجعت
(1) "شرح القسطلاني"ج 4.
(2) "الإفصاح"ج 2.