يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها"، أي فإن الله يتقبل الصدقة الطيبة بيمينه، كما يتقبل الأشياء الشريفة الكريمة، ثم"يربيها"أي ينميها، ويضاعف ثوابها لصاحبها"كما يربي أحدكم فلوه" (بفتح الفاء وضم اللام وفتح الواو المشددة) ، وهو المهر، أي الصغير من الخيل، أي وما يزال الله عز وجل يضاعف ثواب الصدقة، ويكبر حجمها"حتى تكون مثل الجبل"، أي حتى تكون الصدقة عند وضعها في الميزان يوم القيامة مثل الجبل صورة وحجمًا وثقلًا. والحاصل أنّ من تصدق بصدقة قليلة خالصة من الرياء والسمعة من مال حلال، فإن الله يكبر صورتها، ويضاعف ثوابها، ويثقل وزنها في ميزانه يوم القيامة، حتى تكون كالجبل الضخم في صورتها ووزنها."
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن الصدقة لا تقبل عند الله تعالى إلاّ إذا كانت طيبة. ومعنى كونها طيبة، أن يتوفر فيها شرطان:
الأول: أن تكون خالصة لله تعالى ليس فيها رياء، ولا سمعة. والثاني: أن تكون من مال حلال. أما إذا كانت رياءً فإنها ترد على صاحبها لقول الله تعالى كما في الحديث القدسي"أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك في معي غيري -أي راءى فيه غيري- تركته وشركه". وكذلك الصدقة من الحرام لا تقبل، لقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث الباب:"ولا يقبل الله إلا الطيب"وقوله في حديث آخر:"لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول"أي ولا يقبل صدقة من مال حرام. ثانيًًا: أن الصدقة، لا تُقَوَّمُ بحجمها، وإنما تقوم بإخلاص صاحبها، وبالمال الذي خرجت منه، حلالًا كان أو حرامًا. فإذا توفر فيها الجوهر الطيب، وهو المال الحلال، والنية الخالصة، كان لها حجم ووزن في ميزان الله وإن كانت قليلة. ثالثًا: أن الأعمال الصالحة تحول يوم القيامة إلى أجرام مادية لها صورة وحجم ووزن، فتوضع في ميزان العبد، وتوزن في كفه حسناته. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله - صلى الله عليه وسلم:"ولا يقبل الله إلاّ الطيب".