فهرس الكتاب

الصفحة 1024 من 4110

[سُورَة الْبَقَرَة(2): آيَة 228]

(وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(228)

وَجُمْلَةُ (وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ) خَبَرِيَّةٌ مُرَادٌ بِهَا الْأَمْرُ، فَالْخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْإِنْشَاءِ وَهُوَ مَجَازٌ.

وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الطُّهْرَ الَّذِي وَقَعَ الطَّلَاقُ فِيهِ مَعْدُودٌ فِي الثَّلَاثَةِ الْقُرُوءِ.

وَقُرُوءٌ صِيغَةُ جَمْعِ الْكَثْرَةِ، اسْتُعْمِلَ فِي الثَّلَاثَةِ، وَهِيَ قِلَّةٌ تَوَسُّعًا، عَلَى عَادَاتِهِمْ فِي الْجُمُوعِ أَنَّهَا تَتَنَاوَبُ، فَأُوثِرَ فِي الْآيَةِ الْأَخَفُّ مَعَ أَمن اللّبْس بِوُجُود صَرِيحِ الْعَدَدِ.

وَبِانْتِهَاءِ الْقُرُوءِ الثَّلَاثَةِ تَنْقَضِي مُدَّةُ الْعِدَّةِ، وَتَبِينُ الْمُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيَّةُ مِنْ مُفَارِقِهَا.

وَقَوْلُهُ: (إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) شَرْطٌ أُرِيدَ بِهِ التَّهْدِيدُ دُونَ التَّقْيِيدِ، فَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنًى غَيْرِ مَعْنَى التَّقْيِيدِ، عَلَى طَرِيقَةِ الْمَجَازِ الْمُرْسَلِ التَّمْثِيلِيِّ، كَمَا يُسْتَعْمَلُ الْخَبَرُ فِي التَّحَسُّرِ وَالتَّهْدِيدِ، لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِتَقْيِيدِ نَفْيِ الْحَمْلِ بِكَوْنِهِنَّ مُؤْمِنَاتٍ، وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، لِأَنَّ الْكَوَافِرَ لَا يَمْتَثِلْنَ لِحُكْمِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ الْإِسْلَامِيِّ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى أَنَّهُنَّ إِنْ كَتَمْنَ فَهُنَّ لَا يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ إِذْ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ الْمُؤْمِنَاتِ هَذَا الْكِتْمَانُ.

وَجِيءَ فِي هَذَا الشَّرْطِ بِإِنْ، لِأَنَّهَا أَصْلُ أَدَوَاتِ الشَّرْطِ، مَا لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ مَقْصِدٌ لِتَحْقِيقِ حُصُولِ الشَّرْطِ فَيُؤْتَى بِإِذَا، فَإِذَا كَانَ الشَّرْطُ مَفْرُوضًا، فَرْضًا لَا قَصْدَ لِتَحْقِيقِهِ وَلَا لِعَدَمِهِ جِيءَ بِإِنْ.

وَلَيْسَ لَإِنْ هُنَا، شَيْءٌ مِنْ مَعْنَى الشَّكِّ فِي حُصُولِ الشَّرْطِ، وَلَا تَنْزِيلَ إِيمَانِهِنَّ الْمُحَقَّقِ مَنْزِلَةَ الْمَشْكُوكِ، لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ، خِلَافًا لِمَا قَرَّرَهُ عَبْدُ الْحَكِيمِ.

وَالْمُرَادُ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ الْإِيمَانُ الْكَامِلُ، وَهُوَ الْإِيمَانُ بِمَا جَاءَ بِهِ دِينُ الْإِسْلَامِ، فَلَيْسَ إِيمَانُ أَهْلِ الْكِتَابِ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ بِمُرَادٍ هُنَا إِذْ لَا مَعْنَى لِرَبْطِ نَفْيِ الْحَمْلِ فِي الْإِسْلَامِ بِثُبُوتِ إِيمَانِ أَهْلِ الْكِتَابِ.

وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى تَصْدِيقِ النِّسَاءِ فِي دَعْوَى الْحَمْلِ وَالْحَيْضِ كَمَا يَجْرِي عَلَى أَلْسِنَةِ كَثِيرٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ، فَلَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاةِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُنَّ مُشَبَّهًا، وَمَتَى ارْتِيبَ فِي صِدْقِهِنَّ وَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَى مَا هُوَ الْمُحَقَّقُ، وَإِلَى قَوْلِ الْأَطِبَّاءِ وَالْعَارِفِينَ.

وَفِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ الْكِتَابِيَّةَ لَا تُصَدَّقُ فِي قَوْلِهَا إِنَّهَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا.

و (أَحَق) قِيلَ: هُوَ بِمَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ مَسْلُوبُ الْمُفَاضَلَةِ، أَتَى بِهِ لِإِفَادَةِ قُوَّةِ حَقِّهِمْ، وَذَلِكَ مِمَّا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ صِيغَةُ أَفْعَلُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ) [العنكبوت: 45] لَا سِيَّمَا إِنْ لَمْ يُذْكَرْ بَعْدَهَا مُفَضَّلٌ عَلَيْهِ بِحَرْفِ (مِنْ)

وَقِيلَ: هُوَ تَفْضِيلٌ عَلَى بَابِهِ، وَالْمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ، أَشَارَ إِلَيْهِ فِي «الْكَشَّافِ» ، وَقَرَّرَهُ التَّفْتَازَانِيُّ بِمَا تَحْصِيلُهُ وَتَبْيِينُهُ: أَنَّ التَّفْضِيلَ بَيْنَ صِنْفَيْ حَقٍّ مُخْتَلِفَيْنِ بِاخْتِلَافِ الْمُتَعَلِّقِ: هُمَا حَقُّ الزَّوْجِ فِي الرَّجْعَةِ إِنْ رَغِبَ فِيهَا، وَحَقُّ الْمَرْأَةِ فِي الِامْتِنَاعِ مِنَ الْمُرَاجَعَةِ إِنْ أَبَتْهَا، فَصَارَ الْمَعْنَى: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّ الْمُطَلَّقَاتِ، مِنْ حَقِّ الْمُطَلَّقَاتِ بِالِامْتِنَاعِ وَقَدْ نَسَجَ التَّرْكِيبَ عَلَى طَرِيقَةِ الْإِيجَازِ.

وَقَوْلُهُ: (إِنْ أَرادُوا إِصْلاحًا) شَرْطٌ قُصِدَ بِهِ الْحَثُّ عَلَى إِرَادَةِ الْإِصْلَاحِ، وَلَيْسَ هُوَ للتَّقْيِيد.

(وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ)

وَفِي الْآيَةِ احْتِبَاكٌ، فَالتَّقْدِيرُ: وَلَهُنَّ عَلَى الرِّجَالِ مِثْلُ الَّذِي لِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ، فَحَذَفَ مِنَ الْأَوَّلِ لِدَلَالَةِ الْآخِرِ، وَبِالْعَكْسِ.

وَكَانَ الِاعْتِنَاءُ بِذِكْرِ مَا لِلنِّسَاءِ مِنَ الْحُقُوقِ عَلَى الرِّجَالِ، وَتَشْبِيهِهِ بِمَا لِلرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ لِأَنَّ حُقُوقَ الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ مَشْهُورَةٌ، مُسَلَّمَةٌ مِنْ أَقْدَمِ عُصُورِ الْبَشَرِ، فَأَمَّا حُقُوقُ النِّسَاءِ فَلَمْ تَكُنْ مِمَّا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ أَوْ كَانَتْ مُتَهَاوَنًا بِهَا، وَمَوْكُولَةً إِلَى مِقْدَارِ حُظْوَةِ الْمَرْأَةِ عِنْدَ زَوْجِهَا، حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَامُ فَأَقَامَهَا.

وَأَعْظَمُ مَا أُسِّسَتْ بِهِ هُوَ مَا جَمَعَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ.

وَتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلِاهْتِمَامِ بِالْخَبَرِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي لَا يَتَوَقَّعُهَا السَّامِعُونَ، فَقُدِّمَ لِيُصْغِيَ السَّامِعُونَ إِلَى الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أُخِّرَ فَقِيلَ: وَمِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ لَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَفِي هَذَا إِعْلَانٌ لِحُقُوقِ النِّسَاءِ، وَإِصْدَاعٌ بِهَا وَإِشَادَةٌ بِذِكْرِهَا، وَمِثْلُ ذَلِكَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُتَلَقَّى بِالِاسْتِغْرَابِ، فَلِذَلِكَ كَانَ مَحَلَّ الِاهْتِمَامِ.

وَقَوْلُهُ: (لِلرِّجالِ) خَبَرٌ عَنْ (دَرَجَةٍ) ، قُدِّمَ لِلِاهْتِمَامِ بِمَا تُفِيدُهُ اللَّامُ مِنْ مَعْنَى اسْتِحْقَاقِهِمْ تِلْكَ الدَّرَجَةَ، كَمَا أُشِيرَ إِلَى ذَلِكَ الِاسْتِحْقَاقِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ) [النِّسَاء: 34] وَفِي هَذَا الِاهْتِمَامِ مَقْصِدَانِ أَحَدُهُمَا دَفْعُ تَوَهُّمِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي كُلِّ الْحُقُوقِ، تَوَهُّمًا مِنْ قَوْلِهِ آنِفًا: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ)

وَثَانِيهُمَا تَحْدِيدُ إِيثَارِ الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ بِمِقْدَارٍ مَخْصُوصٍ، لِإِبْطَالِ إِيثَارِهِمُ الْمُطْلَقَ، الَّذِي كَانَ مُتَّبَعًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ.

وَالدَّرَجَةُ: مَا يُرْتَقَى عَلَيْهِ فِي سُلَّمٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَصِيغَتْ بِوَزْنِ فَعَلَةٍ مِنْ دَرَجَ إِذَا انْتَقَلَ عَلَى بُطْءٍ وَمَهْلٍ، يُقَالُ: دَرَجَ الصَّبِيُّ، إِذَا ابْتَدَأَ فِي الْمَشْيِ، وَهِيَ هُنَا اسْتِعَارَةٌ لِلرِّفْعَةِ الْمُكَنَّى بِهَا عَنِ الزِّيَادَةِ فِي الْفَضِيلَةِ الْحُقُوقِيَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ تَقَرَّرَ تَشْبِيهُ الْمَزِيَّةُ فِي الْفَضْلِ بِالْعُلُوِّ وَالِارْتِفَاعِ، فَتَبِعَ ذَلِكَ تَشْبِيهُ الْأَفْضَلِيَّةِ بِزِيَادَةِ الدَّرَجَاتِ فِي سَيْرِ الصَّاعِدِ، لِأَنَّ بِزِيَادَتِهَا زِيَادَةَ الِارْتِفَاعِ، وَيُسَمُّونَ الدَّرَجَةَ إِذَا نَزَلَ مِنْهَا النَّازِلُ: دَرَكَةً، لِأَنَّهُ يُدْرِكُ بِهَا الْمَكَانَ النَّازِلَ إِلَيْهِ.

وَالْعِبْرَةُ بِالْمَقْصِدِ الْأَوَّلِ، فَإِن كَانَ الْمَقْصد مِنَ الدَّرَجَةِ الِارْتِفَاعَ كَدَرَجَةِ السُّلَّمِ وَالْعُلُوَّ فَهِيَ دَرَجَةٌ وَإِنْ كَانَ الْقَصْدُ النُّزُولَ كَدَرَكِ الدَّامُوسِ فَهِيَ دَرَكَةٌ، وَلَا عِبْرَةَ بِنُزُولِ الصَّاعِدِ وَصُعُودِ النَّازِلِ.

وَهَذِهِ الدَّرَجَةُ اقْتَضَاهَا مَا أَوْدَعَهُ اللَّهُ فِي صِنْفِ الرِّجَالِ مِنْ زِيَادَةِ الْقُوَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ، فَإِنَّ الذُّكُورَةَ فِي الْحَيَوَانِ تَمَامٌ فِي الْخِلْقَةِ، وَلِذَلِكَ نَجِدُ صِنْفَ الذَّكَرِ فِي كُلِّ أَنْوَاعِ الْحَيَوَانِ أَذْكَى مِنَ الْأُنْثَى، وَأَقْوَى جِسْمًا وَعَزْمًا، وَعَنْ إِرَادَتِهِ يَكُونُ الصَّدْرُ، مَا لَمْ يَعْرِضْ لِلْخِلْقَةِ عَارِضٌ يُوجِبُ انْحِطَاطَ بَعْضِ أَفْرَادِ الصِّنْفِ، وَتَفَوُّقَ بَعْضُ أَفْرَادِ الْآخَرِ نَادِرًا، فَلِذَلِكَ كَانَتِ الْأَحْكَامُ التَّشْرِيعِيَّةُ الْإِسْلَامِيَّةُ جَارِيَةً عَلَى وَفْقِ النُّظُمِ التَّكْوِينِيَّةِ، لِأَنَّ وَاضِعَ الْأَمْرَيْنِ وَاحِدٌ.

وَهَذِهِ الدَّرَجَةُ هِيَ مَا فُضِّلَ بِهِ الْأَزْوَاجُ عَلَى زَوْجَاتِهِمْ: مِنَ الْإِذْنِ بِتَعَدُّدِ الزَّوْجَةِ لِلرَّجُلِ، دُونَ أَنْ يُؤْذَنَ بِمِثْلِ ذَلِكَ لِلْأُنْثَى، وَذَلِكَ اقْتَضَاهُ التَّزَيُّدُ فِي الْقُوَّةِ الْجِسْمِيَّةِ، وَوَفْرَةِ عَدَدِ الْإِنَاثِ فِي مَوَالِيدِ الْبَشَرِ، وَمِنْ جَعْلِ الطَّلَاقِ بِيَدِ الرَّجُلِ دُونَ الْمَرْأَةِ، وَالْمُرَاجَعَةِ فِي الْعِدَّةِ كَذَلِكَ، وَذَلِكَ اقْتَضَاهُ التَّزَيُّدُ فِي الْقُوَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَصِدْقُ التَّأَمُّلِ، وَكَذَلِكَ جَعْلُ الْمَرْجِعِ فِي اخْتِلَافِ الزَّوْجَيْنِ إِلَى رَأْيِ الزَّوْج فِي شئون الْمَنْزِلِ، لِأَنَّ كُلَّ اجْتِمَاعٍ يُتَوَقَّعُ حُصُولُ تَعَارُضِ الْمَصَالِحِ فِيهِ، يَتَعَيَّنُ أَنْ يُجْعَلَ لَهُ قَاعِدَةٌ فِي الِانْفِصَالِ وَالصَّدْرُ عَنْ رَأْيٍ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ مِنْ ذَلِكَ الْجَمْعِ، وَلَمَّا كَانَتِ الزَّوْجِيَّةُ اجْتِمَاعَ ذَاتَيْنِ لَزِمَ جَعْلُ إِحْدَاهُمَا مَرْجِعًا عِنْدَ الْخِلَافِ، وَرَجَحَ جَانِبُ الرَّجُلِ لِأَنَّ بِهِ تَأَسَّسَتِ الْعَائِلَةُ، وَلِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الصَّوَابِ غَالِبًا، وَلِذَلِكَ إِذَا لَمْ يُمْكِنِ التَّرَاجُعُ، وَاشْتَدَّ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ النِّزَاعُ، لَزِمَ تَدَخُّلُ الْقَضَاءِ فِي شَأْنِهِمَا، وَتَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ بَعْثُ الْحَكَمَيْنِ كَمَا فِي آيَةِ (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما) [النِّسَاء: 35] .

وَيُؤْخَذُ مِنَ الْآيَةِ حُكْمُ حُقُوقِ الرِّجَالِ غَيْرِ الْأَزْوَاجِ بِلَحْنِ الْخِطَابِ، لِمُسَاوَاتِهِمْ لِلْأَزْوَاجِ فِي صِفَةِ الرُّجُولَةِ الَّتِي كَانَتْ هِيَ الْعِلَّةَ فِي ابْتِزَازِهِمْ حُقُوقَ النِّسَاءِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمَّا أَسَّسَتِ الْآيَةُ حُكْمَ الْمُسَاوَاةِ وَالتَّفْضِيلِ، بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ الْأَزْوَاجُ إِبْطَالًا لِعَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ، أَخَذْنَا مِنْهَا حُكْمَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلرِّجَالِ غَيْرِ الْأَزْوَاجِ عَلَى النِّسَاءِ، كَالْجِهَادِ وَذَلِكَ مِمَّا اقْتَضَتْهُ الْقُوَّةُ الْجَسَدِيَّةُ، وَكَبَعْضِ الْوِلَايَاتِ الْمُخْتَلَفِ فِي صِحَّةِ إِسْنَادِهَا إِلَى الْمَرْأَةِ، وَالتَّفْضِيلِ فِي بَابِ الْعَدَالَةِ، وَوِلَايَةِ النِّكَاحِ وَالرِّعَايَةِ، وَذَلِكَ مِمَّا اقْتَضَتْهُ الْقُوَّةُ الْفِكْرِيَّةُ، وَضَعْفُهَا فِي الْمَرْأَةِ وَسُرْعَةُ تَأَثُّرِهَا، وَكَالتَّفْضِيلِ فِي الْإِرْثِ وَذَلِكَ مِمَّا اقْتَضَتْهُ رِئَاسَةُ الْعَائِلَةِ الْمُوجِبَةُ لِفَرْطِ الْحَاجَةِ إِلَى الْمَالِ، وَكَالْإِيجَابِ عَلَى الرَّجُلِ إِنْفَاقَ زَوْجِهِ، وَإِنَّمَا عُدَّتْ هَذِهِ دَرَجَةً، مَعَ أَنَّ لِلنِّسَاءِ أَحْكَامًا لَا يُشَارِكُهُنَّ فِيهَا الرِّجَالُ كَالْحَضَانَةِ، تِلْكَ الْأَحْكَامُ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ) [النِّسَاء: 32] لِأَنَّ مَا امْتَازَ بِهِ الرِّجَالُ كَانَ مِنْ قَبِيلِ الْفَضَائِلِ.

فَأَمَّا تَأْدِيبُ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ إِذَا كَانَا زَوْجَيْنِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ شُرِعَتْ فِيهِ تِلْكَ الْمَرَاتِبُ رَعْيًا لِأَحْوَالِ طَبَقَاتِ النَّاسِ، مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: (وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ) [النِّسَاء: 34] أَنَّ ذَلِكَ يُجْرِيهِ وُلَاةُ الْأُمُورِ، وَلَنَا فِيهِ نظر عِنْد مَا نَصِلُ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت