(وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(60)
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ) صِيغَةُ قَصْرٍ لِتَعْرِيفِ جُزْأَيِ الْجُمْلَةِ، أَيْ هُوَ الَّذِي يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ دُونَ الْأَصْنَامِ فَإِنَّهَا لَا تَمْلِكُ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً.
وَالْخِطَابُ مُوَجَّهٌ إِلَى الْمُشْرِكِينَ كَمَا يَقْتَضِيهِ السِّيَاقُ السَّابِقُ مِنْ قَوْلِهِ: (لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) [الْأَنْعَام: 58] وَاللَّاحِقُ مِنْ قَوْلِهِ (ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ) [الْأَنْعَام: 64] وَيَقْتَضِيهِ طَرِيقُ الْقَصْرِ.
وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْحَالُ غَيْرَ خَاصٍّ بِالْمُشْرِكِينَ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّ النَّاسَ فِيهِ سَوَاءٌ.
وَالتَّوَفِّي حَقِيقَتُهُ الْإِمَاتَةُ، لِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي قَبْضِ الشَّيْءِ مُسْتَوْفًى.
وَإِطْلَاقُهُ عَلَى النَّوْمِ مُجَازٌ لِشَبَهِ النَّوْمِ بِالْمَوْتِ فِي انْقِضَاء الْإِدْرَاكِ وَالْعَمَلِ.
أَلَا تَرَى قَوْلَهُ تَعَالَى: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) [الزمر: 42] .
وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: (يَتَوَفَّاكُمْ) يُنِيمُكُمْ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ) أَيْ فِي النَّهَارِ، فَأَرَادَ بِالْوَفَاةِ هُنَا النَّوْمَ عَلَى التَّشْبِيهِ.
وَفَائِدَتُهُ أَنَّهُ تَقْرِيبٌ لِكَيْفِيَّةِ الْبَعْثِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلِذَا اسْتُعِيرَ الْبَعْثُ لِلْإِفَاقَةِ مِنَ النَّوْمِ لِيَتِمَّ التَّقْرِيبُ فِي قَوْلِهِ: (ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ) .
وَمَعْنَى (جَرَحْتُمْ) كَسَبْتُمْ، وَأَصْلُ الْجَرْحِ تَمْزِيقُ جِلْدِ الْحَيِّ بِشَيْءٍ مُحَدَّدٍ مِثْلَ السِّكِّينِ وَالسَّيْفِ وَالظُّفُرِ وَالنَّابِ.
وَأُطْلِقَ عَلَى كِلَابِ الصَّيْدِ وَبُزَاتِهِ وَنَحْوِهَا اسْمُ الْجَوَارِحِ لِأَنَّهَا تَجْرَحُ الصَّيْدَ لِيُمْسِكَهُ الصَّائِدُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ) وَتَقَدَّمَ فِي (سُورَةِ الْعُقُودِ) [4] .
كَمَا سَمَّوْهَا كَوَاسِبَ، كَقَوْلِ لَبِيَدٍ:
غُضْفًا كَوَاسِبَ مَا يُمَنُّ طَعَامُهَا
فَصَارَ لَفْظُ الْجَوَارِحِ مُرَادِفًا لِلْكَوَاسِبِ وَشَاعَ ذَلِكَ فَأُطْلِقَ عَلَى الْكَسْبِ اسْمُ الْجَرْحِ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا.
وَقَالَ تَعَالَى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) [الجاثية: 21] .
وَوَقَعَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْإِخْبَارِ بِعِلْمِهِ تَعَالَى مَا يَكْسِبُ النَّاسُ فِي النَّهَارِ دُونَ اللَّيْلِ رَعْيًا لِلْغَالِبِ، لِأَنَّ النَّهَارَ هُوَ وَقْتُ أَكْثَرِ الْعَمَلِ وَالِاكْتِسَابِ، فَفِي الْإِخْبَارِ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا يَقَعُ فِيهِ تَحْذِيرٌ مِنِ اكْتِسَابِ مَا لَا يَرْضَى اللَّهُ بِاكْتِسَابِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَتَهْدِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ.
وَالْبَعْثُ مُسْتَعَارٌ لِلْإِفَاقَةِ مِنَ النَّوْمِ لِأَنَّ الْبَعْثَ شَاعَ فِي إِحْيَاءِ الْمَيِّتِ وَخَاصَّةً فِي اصْطِلَاحِ الْقُرْآن قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) [الْمُؤْمِنُونَ: 82] وَحَسَّنَ هَذِهِ الِاسْتِعَارَةَ كَوْنُهَا مَبْنِيَّةً عَلَى اسْتِعَارَةِ التَّوَفِّي لِلنَّوْمِ تَقْرِيبًا لِكَيْفِيَّةِ الْبَعْثِ الَّتِي حَارَتْ فِيهَا عُقُولُهُمْ، فَكُلٌّ مِنَ الِاسْتِعَارَتَيْنِ مُرَشِّحٌ لِلْأُخْرَى.
وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أَيْ يُحَاسِبُكُمْ عَلَى أَعْمَالِكُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَالْمُهْلَةُ فِي (ثُمَّ) ظَاهِرَةٌ، أَوْ بَعْدَ الْحَشْرِ، فَالْمُهْلَةُ لِأَنَّ بَيْنَ الْحَشْرِ وَبَيْنَ ابْتِدَاءِ الْحِسَابِ زَمَنًا، كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ.