(فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(13)
(وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً) قَسَاوَةُ الْقَلْبِ مَجَازٌ، إِذْ أَصْلُهَا الصَّلَابَةُ وَالشِّدَّةُ، فَاسْتُعِيرَتْ لِعَدَمِ تَأَثُّرِ الْقُلُوبِ بِالْمَوَاعِظِ وَالنُّذُرِ.
وَالتَّحْرِيفُ: الْمَيْلُ بِالشَّيْءِ إِلَى الْحَرْفِ، وَالْحَرْفُ هُوَ الْجَانِبُ.
وَهَذَا التَّحْرِيفُ يَكُونُ غَالِبًا بِسُوءِ التَّأْوِيلِ اتِّبَاعًا لِلْهَوَى، وَيَكُونُ بِكِتْمَانِ أَحْكَامٍ كَثِيرَة مجاراة لأهواة الْعَامَّةِ، قِيلَ: وَيَكُونُ بِتَبْدِيلِ أَلْفَاظِ كُتُبِهِمْ.
وَجِيءَ بِالْمُضَارِعِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى اسْتِمْرَارِهِمْ.
(وَنَسُوا حَظًّا)
وَالنِّسْيَانُ مُرَادٌ بِهِ الْإِهْمَالُ الْمُفْضِي إِلَى النِّسْيَانِ غَالِبًا.
وَعُبِّرَ عَنْهُ بِالْفِعْلِ الْمَاضِي لِأَنَّ النِّسْيَانَ لَا يَتَجَدَّدُ، فَإِذَا حَصَلَ مَضَى، حَتَّى يُذَكِّرَهُ مُذَكِّرٌ.
وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُرَادًا بِهِ الْإِهْمَالُ فَإِنَّ فِي صَوْغِهِ بِصِيغَةِ الْمَاضِيَ تَرْشِيحًا لِلِاسْتِعَارَةِ أَوِ الْكِنَايَةِ لِتَهَاوُنِهِمْ بِالذِّكْرَى.
وَالْحَظُّ النَّصِيبُ، وَتَنْكِيرُهُ هُنَا لِلتَّعْظِيمِ أَوِ التَّكْثِيرِ بِقَرِينَةِ الذَّمِّ.
وَمَا ذُكِّرُوا بِهِ هُوَ التَّوْرَاةُ.
وَقَدْ جَمَعَتِ الْآيَةُ مِنَ الدَّلَائِلِ عَلَى قِلَّةِ اكْتِرَاثِهِمْ بِالدِّينِ وَرَقَةِ اتِّبَاعِهِمْ ثَلَاثَةَ أُصُولٍ مِنْ ذَلِكَ: وَهِيَ التَّعَمُّدُ إِلَى نَقْضٍ مَا عَاهَدُوا عَلَيْهِ مِنَ الِامْتِثَالِ، وَالْغُرُورُ بِسُوءِ التَّأْوِيلِ، وَالنِّسْيَانُ النَّاشِئُ عَنْ قِلَّةِ تَعَهُّدِ الدِّينِ وَقِلَّةِ الِاهْتِمَامِ بِهِ.
وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا أَنْ نَعْتَبِرَ بِحَالِهِمْ وَنَتَّعِظَ مِنَ الْوُقُوعِ فِي مِثْلِهَا.
وَقَدْ حَاطَ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - هَذَا الدِّينَ مِنْ كُلِّ مَسَارِبِ التَّحْرِيفِ، فَمَيَّزُوا الْأَحْكَامَ الْمَنْصُوصَةَ وَالْمَقِيسَةَ وَوَضَعُوا أَلْقَابًا لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَهَا، وَلِذَلِكَ قَالُوا فِي الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْقِيَاسِ: يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: هُوَ دِينُ اللَّهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: قَالَهُ اللَّهُ.