(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتًا أَوْ نَهارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ(50)
هَذَا جَوَابٌ ثَانٍ عَنْ قَوْلِهِمْ: (مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) [يُونُس: 48]
وَهَذَا الْجَوَابُ إِبْدَاءٌ لِخَلَلِ كَلَامِهِمْ وَاضْطِرَابِ اسْتِهْزَائِهِمْ، وَقَعَ هَذَا الْأَمْرُ بِأَنْ يُجِيبَهُمْ هَذَا الْجَوَابَ بَعْدَ أَنْ أَمَرَ بِأَنْ يُجِيبَهُمْ بِقَوْلِهِ: (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ) [يُونُس: 49] ، وَهَذَا الْجَوَابُ وَاقِعٌ مَوْقِعَ التَّسْلِيمِ الْجَدَلِيِّ بَعْدَ أَنْ يُجَابَ الْمُخْطِئُ بِالْإِبْطَالِ.
وَحَاصِلُ هَذَا الْجَوَابِ إِنْ قُدِّرَ حُصُولُ مَا سَأَلْتُمْ تَعْيِينَ وَقْتِهِ وَنُزُولَ كِسَفٍ مِنَ السَّمَاءِ بِكُمْ أَوْ نَحْوَهُ مَاذَا يَحْصُلُ مِنْ فَائِدَةٍ لَكُمْ فِي طَلَبِ تَعْجِيلِ حُصُولِهِ إِذْ لَا تَخْلُونَ عَنْ أَنْ تَكُونُوا تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ تُؤْمِنُونَ حِينَئِذٍ فَذَلِكَ بَاطِلٌ لِأَنَّ الْعَذَابَ يُعَاجِلُكُمْ بِالْهَلَاكِ فَلَا يَحْصُلُ إِيمَانُكُمْ.
وَوَقَعَ فِي خِلَالِ هَذَا الْجَوَابِ تَفَنُّنٌ فِي تَخْيِيلِ التَّهْوِيلِ لِهَذَا الْعَذَابِ الْمَوْعُودِ بِقَوْلِهِ: (إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتًا أَوْ نَهارًا) تَخْيِيلًا يُنَاسِبُ تَحَقُّقَ وُقُوعه فَإِن هذين الْوَقْتَيْنِ لَا يَخْلُو حُلُولُ الْحَوَادِثِ عَنْ أَحَدِهِمَا، عَلَى أَنَّهُ تَرْدِيدٌ لِمَعْنَى الْعَذَابِ الْعَاجِلِ تَعْجِيلًا قَرِيبًا أَوْ أَقَلَّ قُرْبًا، أَيْ أَتَاكُمْ فِي لَيْلِ هَذَا الْيَوْمِ الَّذِي سَأَلْتُمُوهُ أَوْ فِي صَبِيحَتِهِ، عَلَى أَنَّ فِي ذِكْرِ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ تَخْيِيلًا مَا لِصُورَةِ وُقُوعِ الْعَذَابِ اسْتِحْضَارًا لَهُ لَدَيْهِمْ عَلَى وَجْهٍ يَحْصُلُ بِهِ تَذْكِيرُهُمُ انْتِهَازًا لِفُرْصَةِ الْمَوْعِظَةِ، كَالتَّذْكِيرِ بِهِ فِي قَوْلِهِ: (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ) [الْأَنْعَام: 47] .
وَهَذَا الِاسْتِفْهَامُ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ، وَفِي التَّعْجِيبِ مِنْ تَعَجُّلِهِمُ الْعَذَابَ بِنِيَّةِ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِهِ عِنْدَ نُزُولِهِ.
وَ (مِنْ) لِلتَّبْعِيضِ.
وَالْمَعْنَى مَا الَّذِي يَسْتَعْجِلُهُ الْمُجْرِمُونَ مِنَ الْعَذَابِ، أَيْ لَا شَيْءَ مِنَ الْعَذَابِ بِصَالِحٍ لِاسْتِعْجَالِهِمْ إِيَّاهُ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْهُ مُهْلِكٌ حَائِلٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ التَّمَكُّنِ مِنَ الْإِيمَانِ وَقْتَ حُلُولِهِ.
وَفَائِدَةُ الْإِشَارَةِ إِلَيْهِ، تَهْوِيلُهُ أَوْ تَعْظِيمُهُ أَوِ التَّعْجِيبُ مِنْهُ، فَجُمْلَةُ (يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ) فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنِ اسْمِ الْإِشَارَةِ، أَيْ أَنَّ مِثْلَهُ لَا يُسْتَعْجَلُ بَلْ شَأْنُهُ أَنْ يُسْتَأْخَرَ.
وَ (مِنْ) بَيَانِيَّةٌ، وَالْمَعْنَى مَعَهَا عَلَى مَعْنَى مَا يُسَمَّى فِي فَنِّ الْبَدِيعِ بِالتَّجَرُّدِ.
وَالْمُجْرِمُونَ: أَصْحَابُ الْجُرْمِ وَهُوَ جُرْمُ الشِّرْكِ.
وَالْمُرَادُ بِهِمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ (مَتى هذَا الْوَعْدُ) وَهُمْ مُشْرِكُو مَكَّةَ فَوَقَعَ الْإِظْهَارُ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ عِوَضَ أَنْ يُقَالَ مَاذَا يَسْتَعْجِلُونَ مِنْهُ لِقَصْدِ التَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالْإِجْرَامِ، وَلِلتَّنْبِيهِ عَلَى خَطَئِهِمْ فِي اسْتِعْجَالِ الْوَعِيدِ لِأَنَّهُ يَأْتِي عَلَيْهِمْ بِالْإِهْلَاكِ فَيَصِيرُونَ إِلَى الْآخِرَةِ حَيْثُ يُفْضُونَ إِلَى الْعَذَابِ الْخَالِدِ فَشَأْنُهُمْ أَنْ يَسْتَأْخِرُوا الْوَعْدَ لَا أَنْ يَسْتَعْجِلُوهُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى لَا يَسْتَعْجِلُونَ مِنْهُ إِلَّا شَرًّا.