فهرس الكتاب

الصفحة 3155 من 4110

[سُورَة الْأَعْرَاف(7): آيَة 69]

(أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(69)

وَإِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِالذُّكْرِ (بِضَمِّ الذَّالِ) لِأَنَّ النَّفْسَ تَنْسَى النِّعَمَ فَتَكْفُرُ الْمُنْعِمَ، فَإِذَا تَذَكَّرَتِ النِّعْمَةَ رَأَتْ حَقًّا عَلَيْهَا أَنْ تَشْكُرَ الْمُنْعِمَ، وَلِذَلِكَ كَانَتْ مَسْأَلَةُ شُكْرِ الْمُنْعِمِ مِنْ أَهَمِّ مَسَائِلِ التَّكْلِيفِ، وَالِاكْتِفَاءِ بِحُسْنِهِ عَقْلًا عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ سَوَاءٌ مِنْهُمْ من اكْتفى بالحس الْعَقْلِيِّ وَمَنْ لَمْ يَكْتَفِ بِهِ وَاعْتَبَرَ التَّوَقُّفَ عَلَى الْخِطَابِ الشَّرْعِيِّ.

(جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ)

الْمُرَادُ: جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ فِي تَعْمِيرِ الْأَرْضِ، وَلَمَّا قَالَ: (مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ) عُلِمَ أَنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّهُمْ خُلَفَاءُ قَوْمِ نُوحٍ، فَعَادٌ أَوَّلُ أُمَّةٍ اضْطَلَعَتْ بِالْحَضَارَةِ بَعْدَ الطُّوفَانِ، وَكَانَ بَنُو نُوحٍ قَدْ تَكَاثَرُوا وَانْتَشَرُوا فِي الْأَرْضِ، فِي أَرْمِينِيَّةَ وَالْمَوْصِلِ وَالْعِرَاقِ وَبِلَادِ الْعَرَبِ، وَكَانُوا أُمَمًا كَثِيرَةً، أَوْ كَانَت عَاد عظم تِلْكَ الْأُمَمِ وَأَصْحَابَ السِّيَادَةِ عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ خَلَّفُوا قَوْمَ نُوحٍ فِي دِيَارِهِمْ لِأَنَّ مَنَازِلَ عَادٍ غَيْرُ مُنَازِلِ قَوْمِ نُوحٍ عِنْدَ الْمُؤَرِّخِينَ، وَهَذَا التَّذْكِيرُ تَصْرِيحٌ بِالنِّعْمَةِ، وَتَعْرِيضٌ بِالنِّذَارَةِ وَالْوَعِيدِ بِأَنَّ قَوْمَ نُوحٍ إِنَّمَا اسْتَأْصَلَهُمْ وَأَبَادَهُمْ عَذَابٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى شِرْكِهِمْ، فَمَنِ اتَّبَعَهُمْ فِي صُنْعِهِمْ يُوشِكُ أَنْ يَحِلَّ بِهِ عَذَابٌ أَيْضًا.

وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: (فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ) فَصِيحَةٌ، أَيْ: إِنْ ذَكَرْتُمْ وَقْتَ جَعَلَكُمُ اللَّهُ خُلَفَاءَ فِي الْأَرْضِ وَوَقْتَ زَادَكُمْ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا نِعَمَهُ الْكَثِيرَةَ تَفْصِيلًا.

وَالْآلَاءُ جَمْعُ (إِلًى) ، وَالْإِلَى: النِّعْمَةُ، وَهَذَا مِثْلُ جَمْعِ عِنَبٍ عَلَى أَعْنَابٍ، وَنَظِيرُهُ جَمْعُ إِنًى بِالنُّونِ، وَهُوَ الْوَقْتُ، عَلَى آنَاءٍ قَالَ تَعَالَى: (غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ) [الْأَحْزَاب: 53] أَيْ وَقْتَهُ، وَقَالَ (وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ) [طه: 130] .

وَرُتِّبَ عَلَى ذِكْرِ نِعَمِ اللَّهِ رَجَاءُ أَنْ يُفْلِحُوا لِأَنَّ ذِكْرَ النِّعَمِ يُؤَدِّي إِلَى تَكْرِيرِ شُكْرِ الْمُنْعِمِ، فَيَحْمِلُ الْمُنْعَمَ عَلَيْهِ عَلَى مُقَابَلَةِ النّعم بالطّاعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت