(قاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ(29)
وَظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّ الْقَوْمَ الْمَأْمُورَ بِقِتَالِهِمْ ثَبَتَتْ لَهُمْ مَعَانِي الْأَفْعَالِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَعَاطِفَةِ فِي صِلَةِ الْمَوْصُولِ، وَأَنَّ الْبَيَانَ الْوَاقِعَ بَعْدَ الصِّلَةِ بِقَوْلِهِ: (مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) رَاجِعٌ إِلَى الْمَوْصُولِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ صَاحِبَ تِلْكَ الصِّلَاتِ، فَيَقْتَضِي أَنَّ الْفَرِيقَ الْمَأْمُورُ بِقِتَالِهِ فَرِيقٌ وَاحِدٌ، انْتَفَى عَنْهُمُ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتَحْرِيمُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَالتَّدَيُّنُ بِدِينِ الْحَقِّ.
وَلَمْ يَعْرِفْ أَهْلُ الْكِتَابِ بِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ.
فَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى مُثْبِتُونَ لِوُجُودِ اللَّهِ تَعَالَى وَمُؤْمِنُونَ بِيَوْمِ الْجَزَاءِ.
وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ تَحَيَّرَ الْمُفَسِّرُونَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ.
وَالَّذِي أَرَاهُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَهَمَّ مِنْهَا قِتَالُ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ النَّصَارَى كَمَا عَلِمْتَ وَلَكِنَّهَا أَدْمَجَتْ مَعَهُمُ الْمُشْرِكِينَ لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ أَحَدٌ أَنَّ الْأَمْرَ بِقِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ يَقْتَضِي التَّفَرُّغَ لِقِتَالِهِمْ وَمُتَارَكَةِ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ.
فَالْمَقْصُودُ مِنَ الْآيَةِ هُوَ الصِّفَةُ الثَّالِثَةُ (وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ) .
وَأَمَّا قَوْلُهُ: (الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) - إِلَى قَوْلِهِ - (وَرَسُولُهُ) فَإِدْمَاجٌ.
فَلَيْسَ الْمَقْصُودُ اقْتِصَارَ الْقِتَالِ عَلَى مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِمُ الصِّفَاتُ الْأَرْبَعُ بَلْ كُلُّ الصِّفَةِ الْمَقْصُودَةِ هِيَ الَّتِي أَرْدَفَتْ بِالتَّبْيِينِ بِقَوْلِهِ: (مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) وَمَا عَدَاهَا إِدْمَاجٌ وَتَأْكِيدٌ لِمَا مَضَى، فَالْمُشْرِكُونَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ شَيْئًا مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ لِأَنَّهُمْ لَا شَرِيعَةَ لَهُمْ فَلَيْسَ عِنْدَهُمْ حَلَالٌ وَحَرَامٌ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ وَهُوَ الْإِسْلَامُ وَأَمَّا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فَيُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَحْرِمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي دِينِهِمْ وَلَكِنَّهُمْ لَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ وَهُوَ الْإِسْلَامُ وَيَلْحَقُ بِهِمُ الْمَجُوسُ فَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَدْيَانُ هِيَ الْغَالِبَةَ عَلَى أُمَمِ الْمَعْرُوفِ مِنَ الْعَالَمِ يَوْمَئِذٍ
وَقَوْلُهُ: (وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) .
بِمَعْنَى لَا يَجْعَلُونَ حَرَامًا مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ فَإِنَّ مَادَّةَ فَعَّلَ تُسْتَعْمَلُ فِي جَعْلِ الْمَفْعُولِ مُتَّصِفًا بِمَصْدَرِ الْفِعْلِ، فَيُفِيدُ قَوْلُهُ: (وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) أَنَّهُمْ يَجْعَلُونَهُ غَيْرَ حَرَامٍ وَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ يَجْعَلُونَهُ مُبَاحًا.
وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا تَشْنِيعُ حَالِهِمْ وَإِثَارَةُ كَرَاهِيَتِهِمْ لَهُمْ بِأَنَّهُمْ يَسْتَبِيحُونَ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ وَلَمَّا كَانَ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ قَبِيحًا مُنْكَرًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ) [الْأَعْرَاف: 157]
لَا جَرَمَ أَنَّ الَّذِينَ يَسْتَبِيحُونَهُ دَلُّوا عَلَى فَسَادِ عُقُولِهِمْ فَكَانُوا أَهْلًا لِرَدْعِهِمْ عَنْ بَاطِلِهِمْ عَلَى أَنَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ شَامِلٌ لِكُلِّيَّاتِ الشَّرِيعَةِ الضَّرُورِيَّاتِ كَحِفْظِ النَّفْسِ وَالنَّسَبِ وَالْمَالِ وَالْعِرْضِ وَالْمُشْرِكُونَ لَا يُحَرِّمُونَ ذَلِك.
وَالْمرَاد (بِرَسُولِهِ) مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا هُوَ مُتَعَارَفُ الْقُرْآنِ وَلَوْ أُرِيدَ غَيْرُهُ مِنَ الرُّسُلِ لَقَالَ وَرُسُلُهُ لِأَنَّ اللَّهَ مَا حَرَّمَ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ إِلَّا مَا هُوَ حَقِيقٌ بِالتَّحْرِيمِ.
وَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ تَكُونُ هَذِهِ الْآيَةُ تَهْيِئَةً لِلْمُسْلِمِينَ لِأَنْ يَغْزُوا الرُّومَ وَالْفُرْسَ وَمَا بَقِيَ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ الَّذِينَ يَسْتَظِلُّونَ بِنَصْرِ إِحْدَى هَاتَيْنِ الْأُمَّتَيْنِ الَّذِينَ تَأَخَّرَ إِسْلَامُهُمْ مِثْلِ قُضَاعَةَ وَتَغْلِبَ بِتُخُومِ الشَّامِ حَتَّى يُؤْمِنُوا أَوْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ.
و (حَتَّى) غَايَةٌ لِلْقِتَالِ، أَيْ يَسْتَمِرُّ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُمْ إِلَى أَنْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ.
وَضَمِيرُ يُعْطُوا عَائِدٌ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ.
وَالْجِزْيَةَ اسْمٌ لِمَالٍ يُعْطِيهِ رِجَالُ قَوْمٍ جَزَاءً عَلَى الْإِبْقَاءِ بِالْحَيَاةِ أَوْ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْأَرْضِ.
وَقَوْلُهُ: (عَنْ يَدٍ) تَأْكِيدٌ لِمَعْنَى (يُعْطُوا) لِلتَّنْصِيصِ عَلَى الْإِعْطَاءِ و (عَنْ) فِيهِ لِلْمُجَاوَزَةِ.
أَيْ يَدْفَعُوهَا بِأَيْدِيهِمْ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إِرْسَالُهَا وَلَا الْحَوَالَةُ فِيهَا، وَمَحَلُّ الْمَجْرُورِ الْحَالُ مِنَ الْجِزْيَةِ.
وَالْمُرَادُ يَدُ الْمُعْطِي أَيْ يُعْطُوهَا غَيْرَ مُمْتَنِعِينَ وَلَا مُنَازِعِينَ فِي إِعْطَائِهَا وَهَذَا كَقَوْلِ الْعَرَبِ «أَعْطَى بِيَدِهِ» إِذَا انْقَادَ.
وَجُمْلَةُ (وَهُمْ صاغِرُونَ) حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ (يُعْطُوا) .
أَيْ وَهُمْ أَذِلَّاءُ وَهَذِهِ حَالٌ لَازِمَةٌ لِإِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ عَنْ يَدٍ: وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ تَعْظِيمُ أَمْرِ الْحُكْمِ الْإِسْلَامِيِّ، وَتَحْقِيرُ أَهْلِ الْكُفْرِ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَرْغِيبًا لَهُمْ فِي الِانْخِلَاعِ عَنْ دِينِهِمُ الْبَاطِلِ وَاتِّبَاعِهِمْ دِينَ الْإِسْلَامِ.
وَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنَ الْمَجُوسِ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ الْمُنْذِرِ: لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنْهُمْ، وَخَالَفَ ابْنَ وَهْبٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ مَجُوسِ الْعَرَبِ.
وَقَالَ لَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ جِزْيَةٌ وَلَا بُدَّ مِنَ الْقَتْلِ أَوِ الْإِسْلَامِ كَمَا دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ، دُونَ مُشْرِكِي الْعَرَبِ: لِأَنَّ حُكْمَ قِتَالِهِمْ مَضَى فِي الْآيَاتِ السَّالِفَةِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ فِيهَا إِلَى الْجِزْيَةِ بَلْ كَانَتْ نِهَايَةُ الْأَمْرِ فِيهَا قَوْلَهُ: (فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) [التَّوْبَة: 5] - وَقَوْلَهُ - (فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ) [التَّوْبَة: 11] - وَقَوْلَهُ - (وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ) [التَّوْبَة: 15] .
وَلِأَنَّهُمْ لَوْ أُخِذَتْ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ لَاقْتَضَى ذَلِكَ إِقْرَارَهُمْ فِي دِيَارِهِمْ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يُشَرِّعْ إِجْلَاءَهُمْ عَنْ دِيَارِهِمْ وَذَلِكَ لَمْ يَفْعَله النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.