(لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ(117)
وَافْتِتَاحُهَا بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِهَا الْمُتَقَرِّرِ فِيمَا مَضَى مِنَ الزَّمَانِ حَسْبَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْإِتْيَانُ بِالْمُسْنِدَاتِ كُلِّهَا أَفْعَالًا مَاضِيَةً.
وَمِنَ الْمُحَسِّنَاتِ افْتِتَاحُ هَذَا الْكَلَامِ بِمَا يُؤْذِنُ بِالْبِشَارَةِ لِرِضَى اللَّهِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ غَزَوْا تَبُوكَ.
وَتَقْدِيمُ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَعَلُّقِ فِعْلِ التَّوْبَةِ بِالْغُزَاةِ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ هَذِهِ التَّوْبَةِ وَإِتْيَانِهَا عَلَى جَمِيعِ الذُّنُوبِ إِذْ قَدْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ.
وَمَعْنَى (تابَ عَلَيْهِ) غَفَرَ لَهُ، أَيْ لَمْ يُؤَاخِذْهُ بِالذُّنُوبِ سَوَاءً كَانَ مذنبا أم لَمْ يَكُنْهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ) [المزمل: 20] أَيْ فَغَفَرَ لَكُمْ وَتَجَاوَزَ عَنْ تَقْصِيرِكُمْ وَلَيْسَ هُنَالِكَ ذَنْبٌ وَلَا تَوْبَةٌ.
فَمَعْنَى التَّوْبَةِ عَلَى النَّبِيءِ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ أَنَّ اللَّهَ لَا يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا قَدْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُ يُسَبِّبُ مُؤَاخَذَةً كَقَوْلِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» .
وَأَمَّا تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا فَهِيَ اسْتِجَابَتُهُ لِتَوْبَتِهِمْ مِنْ ذَنْبِهِمْ.
وَالْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ: هُمْ مَجْمُوعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ جَيْشُ الْعُسْرَةِ مِنْهُمْ وَمِنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الْقَبَائِلِ الَّتِي حَوْلَ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ، وَلَكِنَّهُمْ خُصُّوا بِالثَّنَاءِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَرَدَّدُوا وَلَمْ يَتَثَاقَلُوا وَلَا شَحُّوا بِأَمْوَالِهِمْ، فَكَانُوا أُسْوَةً لِمَنِ اتَّسَى بِهِمْ مِنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الْقَبَائِلِ.
وَوَصْفُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار بِـ (الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ) لِلْإِيمَاءِ إِلَى أَنَّ لِصِلَةِ الْمَوْصُولِ تَسَبُّبًا فِي هَذِهِ الْمَغْفِرَةِ.
وَمَعْنَى (اتَّبَعُوهُ) أَطَاعُوهُ وَلَمْ يُخَالِفُوا عَلَيْهِ، فَالِاتِّبَاعُ مَجَازِيٌّ.
وَالسَّاعَةُ: الْحِصَّةُ مِنَ الزَّمَنِ.
وَالْعُسْرَةُ: اسْمُ الْعُسْرِ، زِيدَتْ فِيهِ التَّاءُ لِلْمُبَالَغَةِ وَهِيَ الشِّدَّةُ.
وَسَاعَةُ الْعُسْرَةِ هِيَ زَمَنُ اسْتِنْفَارِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ إِلَى غَزْوَةِ تَبُوكَ.
وَجُمْلَةُ (ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ) عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ (لَقَدْ تابَ اللَّهُ) أَيْ تَابَ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْفَرِيقِ مُطْلَقًا، وَتَابَ عَلَى هَذَا الْفَرِيقِ بَعْدَ مَا كَادَتْ قُلُوبُهُمْ تَزِيغُ، فَتَكُونُ ثُمَّ عَلَى أَصْلِهَا مِنَ الْمُهْلَةِ.
وَالْمَعْنَى تَابَ عَلَيْهِمْ فَأُهِمُّوا بِهِ وَخَرَجُوا فَلَقُوا الْمَشَقَّةَ وَالْعُسْرَ، فَالضَّمِيرُ فِي قَوْله عَلَيْهِمْ للفَرِيق.
وَجَوَّزَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنْ تَكُونَ (ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ فِي الذِّكْرِ، وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهَا تَوْكِيدًا لِجُمْلَةِ (تابَ اللَّهُ) فَالضَّمِيرُ لِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ كُلِّهِمْ.