(وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ(23)
وَأُتِيَ بـ (إِنْ) فِي تَعْلِيقِ هَذَا الشَّرْطِ وَهُوَ كَوْنُهُمْ فِي رَيْبٍ وَقَدْ عُلِمَ فِي فَنِّ الْمَعَانِي اخْتِصَاصُ (إِنْ) بِمَقَامِ عَدَمِ الْجَزْمِ بِوُقُوعِ الشَّرْطِ، لِأَنَّ مَدْلُولَ هَذَا الشَّرْطِ قَدْ حَفَّ بِهِ مِنَ الدَّلَائِلِ مَا شَأْنُهُ أَنْ يَقْلَعَ الشَّرْطَ مِنْ أَصْلِهِ بِحَيْثُ يَكُونُ وُقُوعُهُ مَفْرُوضًا فَيَكُونُ الْإِتْيَانُ بـ (إِنْ) مَعَ تَحَقُّقِ الْمُخَاطَبِ عِلْمَ الْمُتَكَلِّمِ بِتَحَقُّقِ الشَّرْطِ تَوْبِيخًا عَلَى تَحَقُّقِ ذَلِكَ الشَّرْطِ، كَأَنَّ رَيْبَهُمْ فِي الْقُرْآنِ مُسْتَضْعَفُ الْوُقُوعِ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْقُرْآنَ قَدِ اشْتَطَّتْ أَلْفَاظُهُ وَمَعَانِيهِ عَلَى مَا لَوْ تَدَبَّرَهُ الْعَقْلُ السَّلِيمُ لَجَزَمَ بِكَوْنِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ جَاءَ عَلَى فَصَاحَةٍ وَبَلَاغَةٍ مَا عَهِدُوا مِثْلَهُمَا مِنْ فُحُولِ بُلَغَائِهِمْ، وَهُمْ فِيهِمْ مُتَوَافِرُونَ مُتَكَاثِرُونَ حَتَّى لَقَدْ سَجَدَ بَعْضُهُمْ لِبَلَاغَتِهِ وَاعْتَرَفَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِكَلَامِ بَشَرٍ.
وَقَدِ اشْتَمَلَ مِنَ الْمَعَانِي عَلَى مَا لَمْ يَطْرُقْهُ شُعَرَاؤُهُمْ وَخُطَبَاؤُهُمْ وَحُكَمَاؤُهُمْ، بَلْ وَعَلَى مَا لَمْ يَبْلُغْ إِلَى بَعْضِهِ عُلَمَاءُ الْأُمَمِ.
وَلَمْ يَزَلِ الْعِلْمُ فِي طُولِ الزَّمَانِ يُظْهِرُ خَبَايَا الْقُرْآنِ وَيُبَرْهِنُ عَلَى صِدْقِ كَوْنِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَهَذِهِ الصِّفَاتُ كَافِيَةٌ لَهُمْ فِي إِدْرَاكِ ذَلِكَ وَهُمْ أَهْلُ الْعُقُولِ الرَّاجِحَةِ وَالْفَطِنَةِ الْوَاضِحَةِ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْهَا أَشْعَارُهُمْ وَأَخْبَارُهُمْ وَبَدَاهَتُهُمْ وَمُنَاظَرَتُهُمْ، وَالَّتِي شَهِدَ لَهُمْ بِهَا الْأُمَمُ فِي كُلِّ زَمَانٍ، فَكَيْفَ يَبْقَى بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ مَسْلَكٌ لِلرَّيْبِ فِيهِ إِلَيْهِمْ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونُوا مُنْغَمِسِينَ فِيهِ.
وَوَجْهُ الْإِتْيَانِ بـ (فِي) الدَّالَّةِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهُمْ قَدِ امْتَلَكَهُمُ الرَّيْبُ وَأَحَاطَ
بِهِمْ إِحَاطَةَ الظَّرْفِ بِالْمَظْرُوفِ.
وَاسْتِعَارَةُ (فِي) لِمَعْنَى الْمُلَابَسَةِ شَائِعَةٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ كَقَوْلِهِمْ هُوَ فِي نعْمَة.
وأتى بِفعل (نَزَّلَ) دُونَ أَنْزَلَ لِأَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ نُجُومًا.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ التَّفْسِيرِ أَنَّ فَعَّلَ يَدُلُّ عَلَى التَّقَضِّي شَيْئًا فَشَيْئًا عَلَى أَنَّ صَاحِبَ «الْكَشَّافِ» قَدْ ذَكَرَ أَنَّ اخْتِيَارَهُ هُنَا فِي مَقَامِ التَّحَدِّي لِمُرَاعَاةِ مَا كَانُوا يَقُولُونَ (لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً) [الْفرْقَان: 32] فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ مِنْ مُثَارَاتِ شُبَهِهِمْ نَاسَبَ ذِكْرَهُ فِي تَحَدِّيهِمْ أَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ مُنَجَّمَةٍ.
وَإِنَّمَا كَانَ التَّحَدِّي بِسُورَةٍ وَلَمْ يَكُنْ بِمِقْدَارِ سُورَةٍ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ لِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ وُجُوهِ الْإِعْجَازِ أُمُورًا لَا تَظْهَرُ خَصَائِصُهَا إِلَّا بِالنَّظَرِ إِلَى كَلَامٍ مُسْتَوْفًى فِي غَرَضٍ مِنَ الْأَغْرَاضِ وَإِنَّمَا تَنْزِلُ سُوَرُ الْقُرْآنِ فِي أَغْرَاضٍ مَقْصُودَةٍ فَلَا غِنَى عَنْ مُرَاعَاةِ الْخُصُوصِيَّاتِ الْمُنَاسِبَةِ لِفَوَاتِحِ الْكَلَامِ وَخَوَاتِمِهِ بِحَسَبِ الْغَرَضِ، وَاسْتِيفَاءِ الْغَرَضِ الْمَسُوقِ لَهُ الْكَلَامُ، وَصِحَّةِ التَّقْسِيمِ، وَنُكَتِ الْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ، وَأَحْكَامِ الِانْتِقَالِ مِنْ فَنٍّ إِلَى آخَرَ مِنْ فُنُونِ الْغَرَضِ، وَمُنَاسَبَاتِ الِاسْتِطْرَادِ وَالِاعْتِرَاضِ وَالْخُرُوجِ وَالرُّجُوعِ، وَفَصْلِ الْجُمَلِ وَوَصْلِهَا، وَالْإِيجَازِ وَالْإِطْنَابِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَرْجِعُ إِلَى نُكَتِ مَجْمُوعِ نَظْمِ الْكَلَامِ، وَتِلْكَ لَا تَظْهَرُ مُطَابَقَتُهَا جَلِيَّةً إِلَّا إِذَا تَمَّ الْكَلَامُ وَاسْتَوْفَى الْغَرَضُ حَقَّهُ، فَلَا جَرَمَ كَانَ لِنَظْمِ الْقُرْآنِ وَحُسْنِ سَبْكِهِ إِعْجَازٌ يَفُوتُ قُدْرَةَ الْبَشَرِ هُوَ غَيْرُ الْإِعْجَازِ الَّذِي لِجُمَلِهِ وَتَرَاكِيبِهِ وَفَصَاحَةِ أَلْفَاظِهِ.
فَكَانَتِ السُّورَةُ مِنَ الْقُرْآنِ بِمَنْزِلَةِ خُطْبَةِ الْخَطِيبِ وَقَصِيدَةِ الشَّاعِرِ لَا يُحْكَمُ لَهَا بِالتَّفَوُّقِ إِلَّا بِاعْتِبَارَاتِ مَجْمُوعِهَا بَعْدَ اعْتِبَارِ أَجْزَائِهَا.
قَالَ الطِّيبِيُّ فِي «حَاشِيَةِ الْكَشَّافِ» عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ) فِي (سُورَةِ الْأَنْفَالِ) [17] ، «وَلِسِرِّ النَّظْمِ الْقُرْآنِيِّ كَانَ التَّحَدِّي بِالسُّورَةِ وَإِنْ كَانَتْ قَصِيرَةً دُونَ الْآيَاتِ وَإِنْ كَانَتْ ذَوَاتِ عَدَدٍ» .
وَالتَّنْكِيرُ لِلْإِفْرَادِ أَوِ النَّوْعِيَّةِ، أَيْ بِسُورَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ نَوْعِ السُّوَرِ وَذَلِكَ صَادِقٌ بِأَقَلِّ سُورَةٍ تُرْجِمَتْ بِاسْمٍ يَخُصُّهَا، وَأَقَلُّ السُّوَرِ عَدَدُ آيَاتِ سُورَةِ الْكَوْثَرِ، وَقَدْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ بِالْمَدِينَةِ تَبَعًا لِلْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ وَكَانَ نُزُولُ هَذِهِ السُّورَةِ فِي أَوَّلِ الْعَهْدِ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَكَانَ الْمُشْرِكُونَ كُلُّهُمْ أَلْبًا عَلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَدَاوَلُونَ الْإِغْرَاءَ بِتَكْذِيبِهِ وَصَدِّ النَّاسِ عَنِ اتِّبَاعِهِ، فَأُعِيدَ لَهُمُ التَّحَدِّي بِإِعْجَازِ الْقُرْآنِ الَّذِي كَانَ قَدْ سَبَقَ تَحَدِّيهِمْ بِهِ فِي (سُورَةِ يُونُسَ وَسُورَةِ هُودٍ وَسُورَةِ الْإِسْرَاءِ.
وَقَدْ كَانَ التَّحَدِّي أَوَّلًا بِالْإِتْيَانِ بِكِتَابٍ مِثْلِ مَا نَزَلَ مِنْهُ فَفِي (سُورَةِ الْإِسْرَاءِ) [88] : (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) .
فَلَمَّا عَجَزُوا اسْتُنْزِلُوا إِلَى الْإِتْيَانِ (بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ فِي (سُورَةِ هُودٍ، ثُمَّ اسْتُنْزِلُوا إِلَى الْإِتْيَان (بِسُورَة من مِثْلِهِ فِي (سُورَةِ يُونُسَ.
وَالْمِثْلُ أَصْلُهُ الْمَثِيلُ وَالْمُشَابِهُ تَمَامَ الْمُشَابَهَةِ فَهُوَ فِي الْأَصْلِ صِفَةٌ يَتْبَعُ مَوْصُوفًا ثُمَّ شَاعَ إِطْلَاقُهُ عَلَى الشَّيْءِ الْمُشَابِهِ الْمُكَافِئِ.
وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: (مِنْ مِثْلِهِ) يَجُوزُ أَنْ يَعُودَ إِلَى (مَا نَزَّلْنَا) أَيْ مِنْ مِثْلِ الْقُرْآنِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَعُودَ إِلَى (عَبْدِنا) .
وَعِنْدِي أَنَّ الِاحْتِمَالَاتِ الَّتِي احْتَمَلَهَا قَوْلُهُ: (مِنْ مِثْلِهِ) كُلَّهَا مُرَادَةٌ لِرَدِّ دَعَاوِي الْمُكَذِّبِينَ فِي اخْتِلَافِ دَعَاوِيهِمْ فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ كَلَامُ بَشَرٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ مُكْتَتَبٌ مِنْ أَسَاطِيرِ الْأَوَّلِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ.
وَهَاتِهِ الْوُجُوهُ فِي مَعْنَى الْآيَةِ تُفَنِّدُ جَمِيعَ الدَّعَاوِي فَإِنْ كَانَ كَلَامَ بَشَرٍ فَأَتَوْا بِمُمَاثِلِهِ أَوْ بِمِثْلِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَسَاطِيرِ الْأَوَّلِينَ فَأْتُوا أَنْتُمْ بِجُزْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَسَاطِيرِ، وَإِنْ كَانَ يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ فَأْتُوا أَنْتُمْ مِنْ عِنْدِهِ بِسُورَةٍ فَمَا هُوَ بِبَخِيلٍ عَنْكُمْ إِنْ سَأَلْتُمُوهُ.
وَكُلُّ هَذَا إِرْخَاءٌ لِعِنَانِ الْمُعَارَضَةِ وَتَسْجِيلٌ لِلْإِعْجَازِ عِنْدَ عَدَمِهَا.
فَالتَّحَدِّي عَلَى صِدْقِ الْقُرْآنِ هُوَ مَجْمُوعُ مُمَاثَلَةِ الْقُرْآنِ فِي أَلْفَاظِهِ وَتَرَاكِيبِهِ، وَمُمَاثِلَةُ الرَّسُولِ الْمُنَزَّلِ عَلَيْهِ فِي أَنَّهُ أُمِّيٌّ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ تَعْلِيمٌ وَلَا يَعْلَمُ الْكُتُبَ السَّالِفَةَ، قَالَ تَعَالَى: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ) [العنكبوت: 51] .
فَذَلِكَ مَعْنَى الْمُمَاثِلَةِ فَلَوْ أَتَوْا بِشَيْءٍ مِنْ خُطَبِ أَوْ شِعْرِ بُلَغَائِهِمْ غَيْرَ مُشْتَمِلٍ عَلَى مَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ مِنَ الْخُصُوصِيَّاتِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إِتْيَانًا بِمَا تَحَدَّاهُمْ بِهِ، وَلَوْ أَتَوْا بِكَلَامٍ مُشْتَمِلٍ عَلَى مَعَانٍ تَشْرِيعِيَّةٍ أَوْ مِنَ الْحِكْمَةِ مِنْ تَأْلِيفِ رَجُلٍ عَالِمٍ حَكِيمٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إِتْيَانًا بِمَا تَحَدَّاهُمْ بِهِ.
فَلَيْسَ فِي جَعْلِ (مِنْ) ابْتِدَائِيَّةً إِيهَامُ إِجْزَاءِ أَنْ يَأْتُوا بِشَيْءٍ مِنْ كَلَامِ بُلَغَائِهِمْ لِأَنَّ تِلْكَ مُمَاثَلَةٌ غَيْرُ تَامَّةٍ.
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ إِثَارَةٌ لِحَمَاسِهِمْ إِذْ عَرَّضَ بِعَدَمِ صِدْقِهِمْ فَتَتَوَفَّرُ دَوَاعِيهِمْ على الْمُعَارضَة.