(يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ(30)
وَقَوْلُهُ: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ)
يجوز أَن كَون تَكْرِيرًا لِلتَّحْذِيرِ الْأَوَّلِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ تَحْذِيرًا مِنْ مُوَالَاةِ الْكَافِرِينَ، وَالثَّانِي تَحْذِيرًا مِنْ أَنْ يَجِدُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا عَمِلُوا مِنْ سُوءٍ مُحْضَرًا.
وَالْخِطَابُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلِذَلِكَ سَمَّى الْمَوْعِظَةَ تَحْذِيرًا: لِأَنَّ الْمُحَذَّرَ لَا يَكُونُ مُتَلَبِّسًا بِالْوُقُوعِ فِي الْخَطَرِ، فَإِنَّ التَّحْذِيرَ تَبْعِيدٌ مِنَ الْوُقُوعِ وَلَيْسَ انْتِشَالًا بَعْدَ الْوُقُوعِ وَذَيَّلَهُ هُنَا بقوله: (وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ) لِلتَّذْكِيرِ بِأَنَّ هَذَا التَّحْذِيرَ لِمَصْلَحَةِ الْمُحَذَّرِينَ.
وَالتَّعْرِيفُ فِي الْعِبَادِ لِلِاسْتِغْرَاقِ: لِأَنَّ رَأْفَةَ اللَّهِ شَامِلَةٌ لِكُلِّ النَّاسِ مُسْلِمِهِمْ وَكَافِرِهِمْ: (وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ) [فاطر: 45] (اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ) [الشورى: 19] وَمَا وَعِيدُهُمْ إِلَّا لِجَلْبِ صَلَاحِهِمْ، وَمَا تَنْفِيذُهُ بَعْدَ فَوَاتِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ إِلَّا لِصِدْقِ كَلِمَاتِهِ، وَانْتِظَامِ حِكْمَتِهِ سُبْحَانَهُ.
وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَ (أَلْ) عِوَضًا عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ أَيْ بِعِبَادِهِ فَيَكُونَ بِشَارَة للْمُؤْمِنين.