فهرس الكتاب

الصفحة 882 من 4110

[سُورَة الْبَقَرَة(2): آيَة 203]

(وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(203)

وَإِنَّمَا أُمِرُوا بِالذِّكْرِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، لِأَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَشْغَلُونَهَا بِالتَّفَاخُرِ وَمُغَازَلَةِ النِّسَاءِ، قَالَ الْعَرَجِيُّ:

مَا نَلْتَقِي إِلَّا ثَلَاثَ مِنَى ... حَتَّى يُفَرِّقَ بَيْنَنَا النَّفْرُ

وَقَالَ عُمَرُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ:

بَدَا لِي مِنْهَا مِعْصَمٌ حِينَ جمّرت ... وكفّ خصيب زيّنت ببنان

فو الله مَا أَدْرِي وَإِنْ كُنْتُ دَارِيًا ... بِسَبْعٍ رَمَيْتُ الْجَمْرَ أَمْ بِثَمَانِ

لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْحَجَّ قَدِ انْتَهَى بِانْتِهَاءِ الْعَاشِرِ، بَعْدَ أَنْ أَمْسَكُوا عَنْ مَلَاذِّهِمْ مُدَّةً طَوِيلَةً فَكَانُوا يَعُودُونَ إِلَيْهَا، فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِذِكْرِ اللَّهِ فِيهَا، وَذِكْرِ اللَّهِ فِيهَا هُوَ ذِكْرُهُ عِنْدَ رَمْيِ الْجِمَارِ.

قَوْلُهُ: (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) ظَاهِرُ الْمَعْنَى فِي نَفْيِ الْإِثْمِ عَنْهُ، وَإِنَّمَا قَوْلُهُ: (وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) يُشْكِلُ بِأَنَّ نَفْيَ الْإِثْمِ يَقْتَضِي تَوَهُّمَ حُصُولِهِ فَيَصِيرُ التَّأَخُّرُ إِلَى الْيَوْمِ الرَّابِعِ رُخْصَةً مَعَ أَنَّهُ هُوَ الْعَزِيمَةُ، وَدُفِعَ هَذَا التَّوَهُّمُ بِمَا رُوِيَ أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا عَلَى فَرِيقَيْنِ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يُبِيحُونَ التَّعْجِيلَ، وَفَرِيقٌ يُبِيحُونَ التَّأْخِيرَ إِلَى الرَّابِعِ فَوَرَدَتِ الْآيَةُ لِلتَّوْسِعَةِ فِي الْأَمْرَيْنِ، أَوْ تَجْعَلُ مَعْنَى نَفْيِ الْإِثْمِ فِيهِمَا كِنَايَةً عَنِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، وَالتَّأْخِيرُ أَفْضَلُ، وَلَا مَانِعَ فِي الْكَلَامِ مِنَ التَّخْيِيرِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَفْضَلَ كَمَا خُيِّرَ الْمُسَافِرُ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالْإِفْطَارِ وَإِنْ كَانَ الصَّوْمُ أَفْضَلَ.

وَعِنْدِي أَنَّ وَجْهَ ذِكْرِ (وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) أَنَّ اللَّهَ لَمَّا أَمَرَ بِالذِّكْرِ فِي أَيَّامِ مِنَى وَتَرْكِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الِاشْتِغَالِ فِيهَا بِالْفُضُولِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) خِيفَ أَنْ يُتَوَهَّمَ أَنَّ التَّعْجِيلَ بِالنَّفْرِ أَوْلَى تباعدا من مُوَاقَعَةِ مَا لَا يَحْسُنُ مِنَ الْكَلَامِ، فَدَفَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) فَإِذَا نُفِيَ هَذَا التَّوَهُّمُ عَلِمَ السَّامِعُ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَتْ لِلْمُتَأَخِّرِ فَضِيلَةُ الْإِقَامَةِ بِتِلْكَ الْمَنَازِلِ الْمُبَارَكَةِ وَالْمُشَارَكَةِ فِيهَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: (لِمَنِ اتَّقى) أَيْ لِمَنِ اتَّقَى اللَّهَ فِي تَأَخُّرِهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ فِي أَيَّامِ مِنَى، وَإِلَّا فَالتَّأَخُّرُ فِيهَا لِمَنْ لَمْ يَتَّقِ إِثْمٌ فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ (لَا) مِنْ مَعْنَى النَّفْيِ، أَوْ هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، أَيْ ذَلِكَ وَبِدُونِ هَذَا لَا يَظْهَرُ وَجْهٌ لِزِيَادَةِ قَوْلِهِ (لِمَنِ اتَّقى) وَإِنْ تَكَلَّفُوا فِي تَفْسِيرِهِ بِمَا لَا تَمِيلُ النَّفْسُ إِلَى تَقْرِيرِهِ.

قَوْلُهُ: (وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)

وَالْحَشْرُ: الْجَمْعُ بَعْدَ التَّفَرُّقِ فَلِذَلِكَ نَاسَبَ قَوْلُهُ: (تُحْشَرُونَ) حَالَتَيْ تَفَرُّقِ الْحَجِيجِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَجِّ وَاجْتِمَاعِ أَفْرَادِ كُلِّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ إِلَى بَلَدِهِ بَعْدَ ذَلِكَ.

وَاخْتِيرَ لَفْظُ (تُحْشَرُونَ) هُنَا دُونَ تَصِيرُونَ أَوْ تُرْجَعُونَ، لِأَنَّ تُحْشَرُونَ أَجْمَعُ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْمَصِيرِ وَعَلَى الرُّجُوعِ مَعَ الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُمْ يَصِيرُونَ مُجْتَمِعِينَ كُلُّهُمْ كَمَا كَانُوا مُجْتَمِعِينَ حِينَ اسْتِحْضَارِ حَالِهِمْ فِي هَذَا الْخِطَابِ وَهُوَ اجْتِمَاعُ الْحَجِّ، وَلِأَنَّ النَّاسَ بَعْدَ الْحَجِّ يُحْشَرُونَ إِلَى مَوَاطِنِهِمْ فَذَكَّرَهُمْ بِالْحَشْرِ الْعَظِيمِ، فَلَفْظُ (تُحْشَرُونَ) أَنْسَبُ بِالْمَقَامِ من وُجُوه كثير، وَالْعَرَبُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت