فهرس الكتاب

الصفحة 2553 من 4110

[سُورَة الْأَنْعَام(6): آيَة 54]

(وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(54)

وَقَوْلُهُ: (فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ) قِيلَ: مَعْنَاهُ حَيِّهِمْ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ كَلِمَةُ (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ) ، وَقِيلَ: أَبْلِغْهُمُ السَّلَامَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى تَكْرِمَةً لَهُمْ لِمُضَادَّةِ طَلَبِ الْمُشْرِكِينَ طَرْدَهُمْ.

وَقَدْ أَكْرَمَهُمُ اللَّهُ كَرَامَتَيْنِ الْأَوْلَى أَنْ يَبْدَأَهُمُ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالسَّلَامِ حِينَ دُخُولِهِمْ عَلَيْهِ وَهِيَ مَزِيَّةٌ لَهُمْ، لِأَنَّ شَأْنَ السَّلَامِ أَنَّ يَبْتَدِئَهُ الدَّاخِلُ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا حُكْمٌ مُسْتَمِرٌّ مَعَهُمْ كُلَّمَا أُدْخِلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لِلْمَرَّةِ الَّتِي يُبَلِّغُهُمْ فِيهَا هَذِهِ الْبِشَارَةَ، فَنَزَلَ هُوَ مَنْزِلَةَ الْقَادِمِ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ زَفَّ إِلَيْهِمْ هَذِهِ الْبُشْرَى.

وَالْكَرَامَةُ الثَّانِيَةُ هِيَ بِشَارَتُهُمْ بِرِضَى اللَّهِ عَنْهُمْ بِأَنْ غَفَرَ لَهُمْ مَا يَعْمَلُونَ مِنْ سُوءٍ إِذَا تَابُوا مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحُوا.

وَهَذَا الْخَبَرُ وَإِنْ كَانَ يَعُمُّ الْمُسْلِمِينَ كُلَّهُمْ فَلَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا، فَكَانَتِ الْبِشَارَةُ بِهِ فِي وُجُوهِ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ تَكْرِمَةً لَهُمْ لِيَكُونُوا مَيْمُونِيَ النَّقِيبَةِ عَلَى بَقِيَّةِ إِخْوَانِهِمْ وَالَّذِينَ يَجِيئُونَ مِنْ بَعْدِهِمْ.

وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: (بِجَهالَةٍ) لِلْمُلَابَسَةِ، أَيْ مُلْتَبِسًا بِجَهَالَةٍ.

وَالْجَهَالَةُ تُطْلَقُ عَلَى انْتِفَاءِ الْعِلْمِ بِشَيْءٍ مَا.

وَتُطْلَقُ عَلَى مَا يُقَابِلُ الْحِلْمَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ) فِي (سُورَةِ النِّسَاءِ) [17] .

وَالْمُنَاسِبُ هُنَا هُوَ الْمَعْنَى الثَّانِي، أَيْ مَنْ عَمِلَ سُوءًا عَنْ حَمَاقَةٍ مِنْ نَفْسِهِ وَسَفَاهَةٍ،

لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَأْتِي السَّيِّئَاتِ إِلَّا عَنْ غَلَبَةِ هَوَاهُ رُشْدَهُ وَنُهَاهُ.

وَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ الْمُنَاسِبُ لِتَحْقِيقِ مَعْنَى الرَّحْمَةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت