فهرس الكتاب

الصفحة 1813 من 4110

[سُورَة النِّسَاء(4): آيَة 43]

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا(43)

وَالْقُرْبُ هُنَا مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَاهُ الْمَجَازِيِّ وَهُوَ التَّلَبُّسُ بِالْفِعْلِ، لِأَنَّ (قَرُبَ) حَقِيقَةٌ فِي الدُّنُوِّ مِنَ الْمَكَانِ أَوِ الذَّاتِ يُقَالُ: قَرُبَ مِنْهُ - بِضَمِّ الرَّاءِ - وَقَرِبَهُ - بِكَسْرِ الرَّاءِ - وَهُمَا بِمَعْنًى، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَكْسُورَ الرَّاءِ لِلْقُرْبِ الْمَجَازِيِّ خَاصَّةً، وَلَا يَصِحُّ.

وَإِنَّمَا اخْتِيرَ هَذَا الْفِعْلُ دُونَ لَا تُصَلُّوا وَنَحْوِهِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ تِلْكَ حَالَةٌ مُنَافِيَةٌ لِلصَّلَاةِ، وَصَاحِبُهَا جَدِيرٌ بِالِابْتِعَادِ عَنْ أَفْضَلِ عَمَلٍ فِي الْإِسْلَامِ، وَمِنْ هُنَا كَانَتْ مُؤْذِنَةً بِتَغَيُّرِ شَأْنِ الْخَمْرِ، وَالتَّنْفِيرِ مِنْهَا، لِأَنَّ الْمُخَاطَبِينَ يَوْمَئِذٍ هُمْ أَكْمَلُ النَّاسِ إِيمَانًا وَأَعْلَقُهُمْ بِالصَّلَاةِ، فَلَا يَرْمُقُونَ شَيْئًا يَمْنَعُهُمْ مِنَ الصَّلَاةِ إِلَّا بِعَيْنِ الِاحْتِقَارِ.

وَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ مَنْ تَأَوَّلَ الصَّلَاةَ هُنَا بِالْمَسْجِدِ مِنْ إِطْلَاقِ اسْمِ الْحَالِ عَلَى الْمَحَلِّ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ) [الْحَج: 40]

وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ وَمُخَالَفَتُهُ لِمَشْهُورِ الْآثَارِ.

وَقَوْلُهُ: (حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) غَايَةٌ لِلنَّهْيِ وَإِيمَاءٌ إِلَى عِلَّتِهِ، وَاكْتَفَى بِقَوْلِهِ (تَقُولُونَ) عَنْ تَفْعَلُونَ لِظُهُورِ أَنَّ ذَلِكَ الْحَدَّ مِنَ السُّكْرِ قَدْ يُفْضِي إِلَى اخْتِلَالِ أَعْمَالِ الصَّلَاةِ، إِذِ الْعَمَلُ يُسْرِعُ إِلَيْهِ الِاخْتِلَالُ بِاخْتِلَالِ الْعَقْلِ قَبْلَ اخْتِلَالِ الْقَوْلِ.

وَقَوْلُهُ: (حَتَّى تَغْتَسِلُوا) غَايَةٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ إِذَا كَانُوا جُنُبًا، فَهُوَ تَشْرِيعٌ لِلْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ وَإِيجَابٌ لَهُ.

وَالْحِكْمَةُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْغُسْلِ النَّظَافَةُ، وَنِيطَ ذَلِكَ بِأَدَاءِ الصَّلَاةِ لِيَكُونَ الْمُصَلِّي فِي حَالَةِ كَمَالِ الْجَسَدِ، كَمَا كَانَ حِينَئِذٍ فِي حَالِ كَمَالِ الْبَاطِنِ بِالْمُنَاجَاةِ وَالْخُضُوعِ.

وَمِنْ أَبْدَعِ الْحِكَمِ الشَّرْعِيَّةِ أَنَّهَا لَمْ تنط وجوب التنظّف بِحَالِ الْوَسَخِ لِأَنَّ مِقْدَارَ الْحَالِ مِنَ الْوَسَخِ الَّذِي يَسْتَدْعِي الِاغْتِسَال والتنظف مِمَّا تَخْتَلِفُ فِيهِ مَدَارِكُ الْبَشَرِ فِي عَوَائِدِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ، فَنِيطَ وُجُوبُ الْغُسْلِ بِحَالَةٍ لَا تَنْفَكُّ عَنِ الْقُوَّةِ الْبَشَرِيَّةِ فِي مُدَّةِ مُتَعَارَفِ أَعْمَارِ الْبَشَرِ، وَهِيَ حَالَةُ دَفْعِ فَوَاضِلِ الْقُوَّةِ الْبَشَرِيَّةِ، وَحَيْثُ كَانَ بَيْنَ تِلْكَ الْحَالَةِ وَبَيْنَ شِدَّةِ الْقُوَّةِ تَنَاسُبٌ تَامٌّ، إِذْ بِمِقْدَارِ الْقُوَّةِ تَنْدَفِعُ فَضَلَاتُهَا، وَكَانَ أَيْضًا بَيْنَ شِدَّةِ الْقُوَّةِ وَبَيْنَ ظُهُورِ الْفَضَلَاتِ عَلَى ظَاهِرِ الْبَدَنِ الْمُعَبَّرِ عَنْهَا بِالْوَسَخِ تَنَاسُبٌ تَامٌّ، كَانَ نَوْطُ الِاغْتِسَالِ بِالْجَنَابَةِ إِنَاطَةً بِوَصْفٍ ظَاهِرٍ مُنْضَبِطٍ فَجُعِلَ هُوَ الْعِلَّةَ أَوِ السَّبَبَ، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ مُحَصِّلًا لِلْمُنَاسَبَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّشْرِيعِ، وَهِيَ إِزَالَةُ الْأَوْسَاخِ عِنْدَ بُلُوغِهَا مِقْدَارًا يُنَاسِبُ أَنْ يُزَالَ مَعَ جَعْلِ ذَلِكَ مُرْتَبِطًا بِأَعْظَمِ عِبَادَةٍ وَهِيَ الصَّلَاةُ، فَصَارَتِ الطَّهَارَةُ عِبَادَةً كَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْوُضُوءِ، عَلَى أَنَّ فِي الِاغْتِسَالِ مِنَ الْجَنَابَةِ حِكْمَةً أُخْرَى، وَهِيَ تَجْدِيدُ نَشَاطِ الْمَجْمُوعِ الْعَصَبِيِّ الَّذِي يَعْتَرِيهِ فُتُورٌ بِاسْتِفْرَاغِ الْقُوَّةِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ زَبَدِ الدَّمِ، حَسْبَمَا تَفَطَّنَ لِذَلِكَ الْأَطِبَّاءُ فَقُضِيَتْ بِهَذَا الِانْضِبَاطِ حِكَمٌ عَظِيمَةٌ.

وَدَلَّ إِسْنَادُ الِاغْتِسَالِ إِلَى الذَّوَاتِ فِي قَوْلِهِ: (حَتَّى تَغْتَسِلُوا) عَلَى أَنَّ الِاغْتِسَالَ هُوَ إِحَاطَةُ الْبَدَنِ بِالْمَاءِ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ الدَّلْكِ أَيْ إِمْرَارِ الْيَدِ عَلَى أَجْزَاءِ الْبَدَنِ.

(فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا)

وَالطَّيِّبُ: الطَّاهِرُ الَّذِي لَمْ تُلَوِّثْهُ نَجَاسَةٌ وَلَا قَذَرٌ، فَيَشْمَلُ الصَّعِيدُ التُّرَابَ وَالرَّمْلَ وَالْحِجَارَةَ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالصَّعِيدِ لِيَصْرِفَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ هَوَسِ أَنْ يَتَطَلَّبُوا التُّرَابَ أَوِ الرَّمْلَ مِمَّا تَحْتَ وَجْهِ الْأَرْضِ غُلُوًّا فِي تَحْقِيقِ طَهَارَتِهِ.

وَقَوْلُهُ: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) جَعَلَ التَّيَمُّمَ قَاصِرًا عَلَى مَسْحِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ، وَأَسْقَطَ مَسْحَ مَا سِوَاهُمَا مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ بَلْهَ أَعْضَاءِ الْغُسْلِ، إِذْ لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ تَطْهِيرا حسبّا، وَلَا تَجْدِيدَ النَّشَاطِ، وَلَكِنْ مُجَرَّدَ اسْتِحْضَارِ اسْتِكْمَالِ الْحَالَةِ لِلصَّلَاةِ.

وَالْبَاءُ لِلتَّأْكِيدِ مِثْلَ: «وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ» .

وَالْمَعْنَى: فَامْسَحُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ، وَقَدْ ذُكِرَتْ هَذِهِ الْبَاءُ مَعَ الْمَمْسُوحِ فِي الْوُضُوءِ وَمَعَ التَّيَمُّمِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى تَمَكُّنِ الْمَسْحِ لِئَلَّا تَزِيدَ رُخْصَةٌ عَلَى رُخْصَةٍ.

وَقَوْلُهُ: (إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا) تَذْيِيلٌ لِحُكْمِ الرُّخْصَةِ إِذْ عَفَا عَنِ الْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يُكَلِّفْهُمُ الْغُسْلَ أَوِ الْوُضُوءَ عِنْدَ الْمَرَضِ، وَلَا تَرَقُّبَ وُجُودِ الْمَاءِ عِنْدَ عَدَمِهِ، حَتَّى تَكْثُرَ عَلَيْهِمُ الصَّلَوَاتُ فَيَعْسُرَ عَلَيْهِم الْقَضَاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت