(خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(103)
وَالتَّاءُ فِي (تُطَهِّرُهُمْ) تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ تَاءَ الْخِطَابِ نَظَرًا لِقَوْلِهِ: (خُذْ) وَأَنْ تَكُونَ تَاءُ الْغَائِبَةِ عَائِدَةً إِلَى الصَّدَقَة.
وأيّاما كَانَ فَالْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ تُطَهِّرُ وَتُزَكِّي.
وَالتَّزْكِيَةُ: جَعْلُ الشَّيْءِ زَكِيًا، أَيْ كَثِيرَ الْخَيْرَاتِ.
فَقَوْلُهُ: (تُطَهِّرُهُمْ) إِشَارَةٌ إِلَى مَقَامِ التَّخْلِيَةِ عَنِ السَّيِّئَاتِ.
وَقَوْلُهُ: (تُزَكِّيهِمْ) إِشَارَةٌ إِلَى مَقَامِ التَّحْلِيَةِ بِالْفَضَائِلِ وَالْحَسَنَاتِ.
وَلَا جَرَمَ أَنَّ التَّخْلِيَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى التَّحْلِيَةِ.
فَالْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ الصَّدَقَةَ كَفَّارَةٌ لِذُنُوبِهِمْ وَمُجْلِبَةٌ لِلثَّوَابِ الْعَظِيمِ.
وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِمُ: الدُّعَاءُ لَهُمْ.
وَقَدْ كَانَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ إِذَا جَاءَهُ أَحَدٌ بِصَدَقَتِهِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ.
وَالصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ الرَّحْمَةُ، وَمِنَ النَّبِيءِ الدُّعَاءُ.
وَجُمْلَة: (إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ) تَعْلِيلٌ لِلْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ دُعَاءَهُ سَكَنٌ لَهُمْ، أَيْ سَبَبُ سَكَنٍ لَهُمْ، أَيْ خَيْرٌ.
وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ السُّكُونِ بِالْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ، وَهُوَ سُكُونُ النَّفْسِ، أَيْ سَلَامَتُهَا مِنَ الْخَوْفِ وَنَحْوِهِ.
أَوْ لِأَنَّ دُعَاءَهُ لَهُمْ يَزِيدُ نُفُوسَهُمْ صَلَاحًا وَسُكُونًا إِلَى الصَّالِحَاتِ لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ تَرَدُّدٌ وَاضْطِرَابٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ) [التَّوْبَة: 45] ، وَالطَّاعَةَ اطْمِئْنَانٌ وَيَقِينٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرَّعْد: 28] .
وَجُمْلَةُ: (وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) تَذْيِيلٌ مُنَاسِبٌ لِلْأَمْرِ بِالدُّعَاءِ لَهُمْ.
وَالْمُرَادُ بِالسَّمِيعِ هُنَا الْمُجِيبُ لِلدُّعَاءِ.
وَذِكْرُهُ لِلْإِشَارَةِ إِلَى قَبُولِ دُعَاءِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى التَّنْوِيهِ بِدُعَائِهِ.
وَذِكْرُ الْعَلِيمِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ مَا أَمَرَهُ بِالدُّعَاءِ لَهُمْ إِلَّا لِأَنَّ فِي دُعَائِهِ لَهُمْ خَيْرًا عَظِيمًا وَصَلَاحًا فِي الْأُمُورِ.